المقالات

الإنسانية ليست خياراً: بل التزام تجاه أصحاب الهمم

حاكم الشارقة يأمر بشأن إنشاء وتشكيل مجلس الشارقة لحقوق الأشخاص ذوي الإعاقة

 

منذ سنوات وأنا أردد في داخلي، بل وأؤمن يقيناً، أن استغلال ذوي الإعاقة أو الإساءة إليهم لا يقل بشاعة عن أي شكل من أشكال التمييز أو الظلم. كيف يمكن لمجتمع أن يدّعي الرقي، بينما يغفل عن أضعف فئاته أو يسمح بإقصائهم أو التعامل معهم على أنهم عبء؟ في رأيي، هذا خطأ أخلاقي فادح، وجريمة اجتماعية قبل أن تكون إنسانية.

أصحاب الهمم ليسوا مجرد شريحة من المجتمع تحتاج إلى «عطف» أو «مساعدة عابرة»، بل هم طاقات كامنة، أرواح مبدعة، وأيدٍ قادرة على البناء والإضافة. ما يحتاجونه حقاً هو تمكينٌ حقيقي، ومساحة عادلة للمشاركة، ومنظومة قوانين ومبادرات تعكس احتراماً صادقاً لإنسانيتهم.

تجربتي ومسؤوليتي

عندما توليت رئاسة مجلس إدارة جمعية أهالي ذوي الإعاقة في الشارقة، لم يكن الأمر منصباً أو واجباً إدارياً فقط، بل كان التزاماً شخصياً أحمله في قلبي قبل أن أضعه على أوراق الاجتماعات. عملت مع زملائي وأهالي أصحاب الهمم على مشاريع وخطط تسعى لإزالة الحواجز، وفتح آفاق التعليم والتدريب والاندماج، وإيصال أصواتهم حيث يجب أن تُسمع.

ولا أخفي أنني كثيراً ما اصطدمت بتحديات وعقبات: قلة الوعي المجتمعي أحياناً، أو نظرة خاطئة ترى في ذوي الإعاقة عجزاً لا طاقة. لكن هذه الصعوبات لم تكن سوى دافع أقوى لي لمواصلة العمل، لإيماني أن التغيير الحقيقي يبدأ بالصبر والمثابرة والقدوة.

خطوة تعزز المسيرة

وفي هذا السياق، جاء المرسوم الأميري الذي أصدره صاحب السمو الشيخ الدكتور سلطان بن محمد القاسمي، عضو المجلس الأعلى حاكم الشارقة، بإنشاء مجلس الشارقة لحقوق الأشخاص ذوي الإعاقة. بالنسبة لي، هذا القرار لم يكن مجرد خبر إداري يُضاف إلى الصحف، بل محطة تاريخية في مسار طويل من العطاء والإنصاف.

ما يلفتني في هذا المرسوم هو عمقه الإنساني: مجلس يحمل صفة اعتبارية وقانونية، لكنه في جوهره يعكس روح قائد يرى أن حقوق أصحاب الهمم جزء لا ينفصل عن كرامة المجتمع. هذه الرؤية ليست جديدة على سموه، لكنها اليوم تأخذ شكلاً مؤسسياً أوضح، يضمن استمرارية الأثر، ويعطي لأصحاب الهمم منبراً رسمياً يعبّر عنهم ويدافع عن حقوقهم.

موقف لا يتغير

أقولها بصراحة: سأظل أرفض أي شكل من أشكال الاستغلال أو التهميش الذي يطال هذه الفئة الغالية. وسأبقى أعمل، من موقعي ومن خلال الجمعية، على تكريس ثقافة الاحتواء والمساواة، وعلى نشر وعي مختلف يرى في أصحاب الهمم شركاء لا متلقين.

قد يرى البعض أن هذه معركة طويلة، وربما صعبة، لكني أؤمن أن كل خطوة تُحدث فرقاً، وكل كلمة صادقة تفتح وعياً جديداً، وكل مبادرة تزرع بذرة أمل في قلب أسرة أو طفل أو شاب من أصحاب الهمم.

كلمة أخيرة

ليست القضية مجرد شعارات نرددها أو صور نلتقطها في مناسبات عامة، بل هي التزام يومي، إنساني وأخلاقي. وأنا، بكل قناعة وصدق، سأظل على هذا الدرب، داعماً ومسانداً ومدافعاً، إلى أن نصل لمجتمع يرفع أصحاب الهمم إلى المكانة التي يستحقونها: مكانة المشاركة الكاملة، والاحترام المطلق، والعدالة التي لا تعرف استثناء.

 

Originally posted 2025-09-03 20:07:16.

المقالات

يداً بيد نحتفي برؤية 50:50

يوم المرأة الإماراتية 2025

 

في الثامن والعشرين من أغسطس، تتوهّج الإمارات بلون واحد لا يبهت: لون العطاء. يوم المرأة الإماراتية ليس مجرد تاريخ على الرزنامة؛ بل هو مرآة خمسين عاماً من العمل المتّصل، من الأبواب التي فُتحت والأحلام التي كبرت، من طفلةٍ أمسكت يد أمّها في مجلس صغير لتسمع حكايات الجدّات، إلى وزيرةٍ وعالِمةٍ وقاضيةٍ ورائدة فضاء.

جذور الحكاية… من فكرة إلى مؤسسة ثم إلى يومٍ وطني

لم تولد قصة المرأة الإماراتية في فراغ. تعود البدايات المؤسِّسة إلى سبعينيات القرن الماضي، حيث تشكّلت الرؤية الوطنية المبكّرة لوضع المرأة في صدارة التنمية. تأسيس الاتحاد النسائي العام عام 1975 كان لحظة تأسيس لآليةٍ وطنية تتكفّل بالتأطير، والحشد، والتدريب، وصياغة المبادرات. من هناك انطلقت عشرات البرامج، من محو الأمّية إلى التدريب المهني، ومن ورش حقوق الإنسان إلى منصّات المشاركة المجتمعية.

بعد أربعة عقود من العمل المنظّم، جاءت 2015 لتُعلن ولادة «يوم المرأة الإماراتية». لم يكن المقصود يوماً بروتوكولياً فحسب، بل مناسبة سنوية لتجديد العهد، ولعرض الحصيلة، ولضخّ جرعة إلهامٍ جديدة في شرايين المجتمع. في كل عام، يتبدّل الشعار وفق أولويات المرحلة: مرةً عنوانٌ يستنطق المستقبل، ومرةً عنوانٌ يراجع المنجز ويُعيد توزيعه على مساحاتٍ جديدة. وفي 2025، يصير العنوان مكثّفاً ودافئاً: «يداً بيد نحتفي بالخمسين» — احتفاءٌ بنصف قرن من العمل المؤسّسي، وتذكير بأن اليد الواحدة لا تصفّق.

الجميل في التجربة الإماراتية أن خطاب التمكين لم يتصادم مع الخصوصية الثقافية. لم تكن معركة «عقائد» بقدر ما كانت مفاوضة ذكيّة بين القيم: التقاليد بوصفها ذخيرة هوية، والحداثة باعتبارها أداة تحسين الحياة. هذه المزاوجة — وإن بدت للعين العجولة تناقضاً — هي سرّ السلاسة التي جرت بها التحولات.

الشعارات ليست زينة لغوية. «يداً بيد» تعني ثلاثة أمور على الأقل:

  1. شراكة مجتمعية فعلية: لا تمكين دون رجالٍ يؤمنون بالفكرة، ومؤسساتٍ تعيد تصميم سياساتها، وسوق عملٍ يلتقط الكفاءات بلا تحيّز.
  2. تراكم خبرة: خمسون عاماً ليست زمناً فقط؛ هي منهج. تجربةٌ تعلّمت من نجاحاتها وأخطائها، وتحوّلت من مبادراتٍ متفرّقة إلى سياساتٍ عامةٍ قابلة للقياس.
  3. بوصلة للمستقبل: في عامٍ وطني عنوانه «المجتمع»، يصير تمكين المرأة جزءاً من مشروع لُحمةٍ اجتماعية أوسع: لغة مشتركة، وفضاء مشترك، ومصير مشترك.

ولعلّ الأهم أن الشعار يحرّرنا من ثنائية «هو/هي». التحديات اليوم معقّدة: اقتصاد معرفي، تحوّل رقمي، استدامة وحياد مناخي، أسواق عمل مرنة. وهذه الملفات لا تُفتح ولا تُغلق إلا بـ«نحن».

التعليم… حين تصير المعرفة عادةً يومية

لنبدأ من الحاضنة الأولى: المدرسة والجامعة. في العقود الأخيرة، تكوّن مسارٌ واضح: حضورٌ نسائي متنامٍ في التعليم العالي، وتقدّم نوعي في حقول العلوم والتكنولوجيا والهندسة والرياضيات. لا يعود ذلك إلى عاملٍ واحد؛ بل إلى منظومةٍ متكاملة: منحٌ دراسية، سياسات قبول تشجّع التنوّع، بيئات جامعية آمنة، وشبكات خريجات تُسهّل الانتقال إلى سوق العمل.

من الفصل إلى المختبر

التحوّل الأبرز ليس في «عدد» المقاعد، بل في نوعية المسارات. ابنة اليوم لا تُدفع تلقائياً إلى تخصّصاتٍ نمطية. ستجدها في هندسة الفضاء، في الذكاء الاصطناعي، في علم البيانات، في الطاقات المتجددة. حين تتغيّر قائمة الأحلام، تتغيّر البلاد.

الحكاية من الداخل

تقول مهندسةٌ شابة — ولنذكرها بالأحرف الأولى «ن.أ.» حفاظاً على خصوصيتها — إن أول مختبر دخلته في عامها الجامعي الثاني كان أشبه بعالمٍ سحري. «كنت أظنّ أن الهندسة للرجال فقط. ثم اكتشفت أن الأسلاك لا تسأل عن النوع»، تقول ضاحكة. مثل هذه الحكايات الصغيرة، المتكررة في آلاف البيوت، هي الوقود الحقيقي لتحوّلاتٍ كبرى.

الاقتصاد وريادة الأعمال… من الوظيفة إلى صناعة الفرص

لا يكتمل الحديث عن التمكين دون الاقتصاد. في سنواتٍ قليلة نسبياً، انتقلت مشاركة المرأة من الهامش إلى القلب. في القطاعين العام والخاص، يتّسع الحضور، ويترقّى إلى مواقع القرار. والأهم: تزايد عدد رائدات الأعمال اللواتي أسسن شركاتٍ ناشئة في التقنية الخضراء، والخدمات الإبداعية، والاقتصاد المنزلي المنظَّم، وسلاسل القيمة الصغيرة والمتوسطة.

المشاركة السياسية والحوكمة

تاريخ المشاركة السياسية للمرأة الإماراتية لافتٌ في سرعته ونضجه. التمثيل في المجالس المنتخبة والمعيّنة، والحقائب الوزارية، ومجالس الإدارات، لم يعد ديكوراً. التجربة هنا بنت قواعدها: تأهيل، تمكين، ثم تكليف. هذا التسلسل يمنح المشاركة معنىً وفعالية. والنتيجة أن صوت المرأة صار جزءاً عضوياً من صناعة السياسات العامة، من التعليم والاقتصاد إلى البيئة والثقافة.

لأن السياسات التي لا ترى نصف المجتمع تضلّ الطريق. وجود المرأة في غرف صناعة القرار يزيد حساسية السياسات لقضايا الرعاية، والنقل العام، وسوق العمل المرن، ورأس المال البشري، والسلامة المجتمعية. ثم إن التعدّدية داخل مؤسسات الحكم تشجّع الابتكار والتوازن في تخصيص الموارد.

 

الصحة والرياضة… الجسد أيضاً مواطن

لنقلها ببساطة: لا تمكين بلا صحة. في السنوات الأخيرة تمدّدت الخدمات الصحية الوقائية، وبرامج الكشف المبكر، وصحّة الأم والطفل، والصحة النفسية. في الوقت نفسه، صعدت الثقافة الرياضية وسط النساء: الجري، ركوب الدراجات، الرياضات البحرية، واللياقة المجتمعية في الحدائق والمضامير. الرياضة هنا ليست ترفاً؛ هي لغةٌ جديدة للجسد، ثقةٌ بالنفس، وانخراطٌ في الفضاء العام بلا تردد.

قصة قصيرة من المضمار

تروي معلمة مدرسة أنها بدأت المشي نصف ساعة يومياً «هروباً» من ضغوط العمل، ثم وجدت نفسها تشارك في سباقات مجتمعية. «الطاقة التي يشحنني بها الركض لا تشبه شيئاً»، تقول. وحين سُئلت عن أثر ذلك على طالباتها، أجابت: «حين يرونني أعدو في الصباح، يعلمن أن الصحة ليست مقرراً دراسياً؛ هي أسلوب حياة».

الثقافة والفنون… سردية الصورة والنص والصوت

المرأة الإماراتية اليوم حاضرةٌ في معارض الفنون، في صالات السينما، على منصّات الأداء، وفي دور النشر ومختبرات التصميم. لا يُقصد بذلك التمثيل العددي، بل حضورٌ يصنع الذائقة العامة. من المصوّرة التي توثّق تحوّلات المدن، إلى المخرجة التي تُعيد طرح أسئلة الهوية، إلى الكاتبة التي تُجرب في جنسٍ أدبيّ جديد؛ تتكوّن مكتبةٌ بصريّة ونصيّة للأزمنة الإماراتية.

أثر ثقافي مضاعف

هذا الحضور لا يُغني المجال الثقافي وحده؛ إنه يعيد تعريف «العمل الإبداعي» بوصفه عملاً اقتصادياً أيضاً: سلاسل قيمة، وظائف، صادراتٍ ثقافية، وسياسات «قوة ناعمة» تمتدّ خارج الحدود. في ذلك، تُسهم المبدعات في عوائد ملموسة للمجتمع، وتكسر صورة الفن كترفٍ لا جدوى منه.

العلوم والفضاء… من قاعة الدرس إلى مدار الأرض

لم يعد الحديث عن انخراط المرأة في العلوم مجرّد أمنية. المختبرات اليوم تحفل بباحثات في الطاقة الشمسية، والمواد المتقدّمة، والوقاية الوبائية، وعلوم البحار. وعلى قمة هذا الهرم الرمزي: صعود ابنة الإمارات إلى فريق روّاد الفضاء. الحكاية ليست في «الحدث» وحده، بل في أثره المتسلسل على مخيال الأجيال: أن تصبح الفيزياء والهندسة والفضاء كلماتٍ يومية في غرف البنات.

المرأة والاستدامة… رعاية الأرض بيتاً أكبر

الاستدامة ليست ملفاً بيئياً فحسب؛ بل هي أيضاً عدالة بين الأجيال. النساء في الإمارات يدخلن هذا الملف من بواباتٍ عديدة: ريادة أعمال خضراء، تعليم بيئي، أبحاث في المياه والطاقة والنفايات، وبرامج مجتمعية تقلّل البصمة الكربونية للأحياء السكنية. ومع التحوّل الوطني نحو الحياد المناخي، تتسع فرصٌ جديدة للخبرات النسائية في قياس الانبعاثات، والتخطيط الحضري الذكي، والزراعة العمودية، والاقتصاد الدائري.

المرأة والتكنولوجيا… العمل والمهارة في زمن الذكاء الاصطناعي

يتغيّر سوق العمل بوتيرةٍ أسرع مما نتصور. الذكاء الاصطناعي، والأتمتة، والمنصّات السحابية، كلّها تعيد تركيب الوظائف. النساء في الإمارات يقتحمن هذا العالم بثقة: مطوّرات برمجيات، محلّلات بيانات، مصممات تجارب استخدام، مختصات أمنٍ سيبراني، ومديرات منتجات. هذا التحوّل ليس دفاعياً («نجارٍ الالتحاق»)، بل هجوميّ: تأسيس شركاتٍ تقنية، وابتكار حلولٍ محلية لمشكلاتٍ محلية، وتصديرها إلى المنطقة.

مهارات الغد… اليوم

المعادلة هنا واضحة: تعلّمٌ مستمر، شهاداتٌ احترافية قصيرة، مجتمعات تعلمٍ رقمية، وتخصّصاتٌ هجينة تجمع بين التقنية ومجالٍ معرفي آخر (الصحة الرقمية، القانون والتكنولوجيا، الإعلام والبيانات). وحين يتوفّر «الأمان المهني» عبر سياساتٍ ذكيّة، يزول القلق من المخاطرة.

أصوات من الميدان… بورتريهات قصيرة

1) الطبيبة

في قسم الطوارئ، لا وقت للبلاغة. حين تُغلق الطبيبة جهاز التنفّس الصناعي وتتّجه إلى أسرةٍ تنتظر خبراً مطمئناً، تُدرك أن «التمكين» له وجه إنساني لا تُقاس دقّاته بالأرقام. «أصعب ما في المهنة أن تتعلّم كيف تقول الحقيقة برفق»، تقول وهي تلتقط أنفاسها بين مناوبتين.

2) المعلمة

«أحمل في حقيبتي يومياً ثلاثة عوالم: دفاتر بناتي، قصص مصورة، وخيوط صوف». الضحكة التي تقولها المعلمة ليست استعراضاً. هي تعرف أن الطالبة التي لا تُمسك الخيط بإبرة، قد لا تمسك لاحقاً خيط فكرةٍ في درس الفيزياء. التعليم، كما تمارسه، حياةٌ مصغّرة.

3) المهندسة

فوق رمال الصحراء، ترتفع ألواح الطاقة الشمسية كالمرآة. المهندسة التي تُشرف على المشروع تخاطب فريقها: «الظلّ مهمّ بقدر الضوء؛ ظلّ إجراءات السلامة، وظلّ التدريب». في قطاع الطاقة المتجددة، تتعلّم أن الاستدامة تبدأ من التفاصيل الصغيرة.

4) رائدة الأعمال

«أسوأ نصيحة سمعتها: كوني واقعية وخفّضي سقف أحلامك. أفضل قرار اتخذته: تجاهلت النصيحة». تقولها بابتسامة. الشركة التي أسستها في التجارة الرقمية واجهت عطلاً كبيراً في أسبوعها الأول. «بكيت عشر دقائق. ثم عدت إلى لوحة التحكم». اليوم، صار العطل درساً في الدقّة والمرونة.

5) المبدعة

بين قصيدةٍ ولوحةٍ وإخراج فيلمٍ قصير، ترسم المبدعة خريطة إحساسٍ للمدينة. «أريد فنّاً يلمس اليد لا العين فقط»، تقول. في افتتاح معرضها، جاءت أمٌّ مع ابنتها. ظلّتا دقائق أمام لوحةٍ عن «البيت القديم». دمعتا، ثم ضحكتا. الفنّ يفعل ذلك: يهزّ الذاكرة ويصالحها.

نداء مفتوح إلى القطاع الخاص

أهل السوق شركاء أصيلون في قصة التمكين. هذا «نداءٌ مفتوح» بثلاثة محاور:

  1. إدارة المواهب: اجعلوا التنوّع جزءاً من استراتيجية الأعمال لا من قسم العلاقات العامة. رتّبوا مسارات تطويرٍ قيادي تستبق «عنق الزجاجة» قبل أن يبتلع المواهب.
  2. تصميم العمل: جرّبوا «العمل الهجين» بذكاء، واضبطوا الأداء بنتائج، لا بساعات حضور.
  3. الاستثمار في التعليم: زمالاتٌ جامعية، كراسي بحثية، ومسابقات ابتكارٍ لطلبة المدارس. هذا استثمار طويل المدى في سلسلة التوريد البشرية.

مسك الختام – رسالة إلى ابنة الغد

يا ابنة الغد،

لا تبحثي عن إذنٍ كي تحلمي. الحلم حقّ.

اقرئي كثيراً، واعملي بذكاء، واطلبي العون من دون خجل، وأمسكي يد مَنْ تمشين معها.

ففي هذه البلاد تعلمنا أن الطريق يُصنع جماعياً…

يداً بيدٍ — للخمسين القادمة.

 

Originally posted 2025-08-28 10:54:54.

المقالات

الزواج بين العدل والاصلاح

 

 

لزواج في الإسلام ليس ساحة صراع، ولا ميدان إثبات قوة، بل هو ميثاق غليظ أُقيم على المودة والرحمة والعدل، وجُعل سكنًا نفسيًا قبل أن يكون علاقة شكلية. وكل خللٍ يضرب هذه القيم، مهما كان مبرره، يُعد خروجًا عن روح هذا الميثاق.
إن من أعظم أسباب التوتر الأسري أن تتحول الحقوق إلى أدوات ضغط، وأن يُستبدل الحوار بالاتهام، وأن تُستدعى الظنون بدل الحقائق. وقد وضع الإسلام ضوابط دقيقة تحفظ كرامة الزوجين وتمنع الظلم من أي طرف.
فالزوجة مطالبة شرعًا بأداء حقوق زوجها بالمعروف، ومن ذلك الطاعة في غير معصية، وحفظ العشرة، وعدم الامتناع المتعمد عن الحقوق الزوجية دون عذر شرعي. لكن في المقابل، لا تُلزم الشريعة المرأة بالصبر على الظلم أو الإيذاء أو الإهمال، فالعدل أساس التكليف، ولا طاعة مع الضرر.
والغيرة، وإن كانت فطرة إنسانية، إلا أن الإسلام فرّق بين الغيرة المحمودة التي تحفظ الود، والغيرة المرضية التي تفسد القلوب وتهدم البيوت. فالشك الدائم، وسوء الظن، والتجسس، واتهام الزوج بالخيانة دون بينة، كل ذلك محرم شرعًا، لما فيه من قذف وتعدٍّ على العرض وتشويه للسمعة، وقد حذّر الله من الظن، وجعل القذف من كبائر الذنوب.
كما أن رفع الصوت، والعناد، والإهانة، ليست من أخلاق المسلم ولا من هدي الزوجية الصالحة، بل هي أسباب مباشرة لانكسار القلوب، وتعطيل لغة التفاهم. وقد أمر الإسلام بالمعاشرة بالمعروف، وجعل الكلمة الطيبة بابًا للإصلاح لا للتصعيد.
وفي جانب النفقة، أوجب الشرع على الزوج الإنفاق بحسب استطاعته، لا بحسب رغبات غير منضبطة، وحرّم تحميله ما لا يطيق، كما حرّم الابتزاز العاطفي أو المالي، لأن التكليف مرتبط بالوسع، لا بالمقارنة ولا بالمظاهر.
والأنانية، وجفاف المشاعر، وغياب التعاطف، وإن لم تكن دائمًا محرمات صريحة، إلا أنها تخالف مقاصد الزواج، وتفرغه من معناه الحقيقي. فالبيت لا يُبنى على الحقوق المجردة، بل على الرحمة المتبادلة، والشعور بالآخر، وتحمل الضعف الإنساني للطرفين.
أما السعي لتدمير سمعة الزوج، أو تشويه اسمه اجتماعيًا، أو نشر اتهامات بلا حق، فهو حرام قطعًا، وظلم صريح، وإفساد متعمد، لا يبرره غضب ولا خلاف، لأن الإسلام حفظ الكرامة حتى في الخصومة.
إن الإصلاح لا يبدأ بالإدانة، بل بالفهم، ولا ينجح بالصراخ، بل بالحكمة، ولا يُثمر بالضغط، بل بالعدل. وكل علاقة زوجية فقدت الرحمة، تحتاج إلى مراجعة صادقة، وحوار واعٍ، وربما علاج مختص، قبل أن تصل إلى مرحلة الانهيار.
فالزواج عبادة، والعدل فيه عبادة، والإصلاح فيه أجر،
ومن حفظ الميثاق، حفظه الله،
ومن ظلم، خسر السكن ولو بقي الشكل

تحياتي
المستشار الدكتور خالد السلامي
#خالد_السلامي #رسالة_إصلاحية
#الزواج_ميثاق_غليظ
#المودة_والرحمة
#العدل_في_الزواج
#الحقوق_الزوجية
#الحياة_الزوجية
#الوعي_الأسري
#الإصلاح_الأسري
#الاستقرار_الأسري
#القيم_الإسلامية
#أخلاقيات_الأسرة
#فقه_الأسرة
#الرحمة_قبل_الحقوق
#الحوار_الأسري

المقالات

حين لا نكون على ما يرام

ليس من الضروري أن يحدث شيء كبير كي لا نكون على ما يرام.
أحيانًا، يكفي تراكم الأيام. يكفي أن تتشابه الصباحات أكثر مما ينبغي، وأن تمضي المساءات دون أثر واضح، وأن نشعر بأننا نؤدي الحياة بدل أن نعيشها.

هذه الحالة لا تُصنَّف بسهولة.
ليست حزنًا صريحًا يمكن الإشارة إليه، ولا فرحًا يستحق الاحتفال، ولا حتى أزمة تبرر التوقف. إنها منطقة رمادية، معلّقة، يعيش فيها كثيرون دون أن يملكوا اسمًا دقيقًا لما يشعرون به. نقول فيها: أنا بخير، لا لأننا كذلك، بل لأن العبارة أسهل من الشرح.

حين لا نكون على ما يرام، نستيقظ وننجز. نضحك في الأماكن المتوقعة. نرد على الرسائل. نفي بالالتزامات.
كل شيء يعمل… إلا الداخل.

هناك تعب لا يُرى.
لا يظهر في الخطوات ولا في الصوت، لكنه يثقل الفكر. تعب من الاستمرار، من التماسك الدائم، من الاضطرار لأن نكون مفهومين ومقبولين ومنتجين في الوقت نفسه. كأن الحياة تطلب منا أداءً مستمرًا بلا فترات صمت حقيقية.

الغريب أن هذا التعب لا يُسمح له بالظهور.
تعلمنا، بطريقة ما، أن الاعتراف بعدم الاتزان ضعف، وأن التعب يجب أن يُدار بصمت، وأن الشكوى علامة على قلة الامتنان. فنتقن الإخفاء. نطوّر مهارات التظاهر. نبتسم حيث ينبغي، ونؤجل الانهيار إلى وقت غير محدد.

لكن الجسد يتذكر.
والقلب لا ينسى.

حين لا نكون على ما يرام، يصبح الصمت أثقل من الكلام.
نجد صعوبة في الشرح، لا لأن الكلمات غير موجودة، بل لأننا لا نعرف من أين نبدأ. كيف تشرح حالة لا سبب واضح لها؟ كيف تبرر شعورًا لا يرتبط بحادثة واحدة، بل بتراكم طويل من التفاصيل الصغيرة؟

ربما لهذا السبب، نفضّل الصمت.
نخشى أن يُساء فهمنا، أو أن تُقابل هشاشتنا بنصائح جاهزة، أو بأسئلة من نوع: لكن ما الذي ينقصك؟
وكأن الشعور لا يُعترف به إلا إذا كان له سبب واضح، تاريخ، أو عنوان.

في هذه المساحة، يتعلم الإنسان أن يكون قويًا أكثر مما يحتمل.
القوة هنا ليست اختيارًا، بل ضرورة. لأن التوقف غير متاح، ولأن العالم لا ينتظر أحدًا كي يعيد ترتيب داخله. فنمضي، نجرّ أنفسنا بهدوء، ونقنع الآخرين – وربما أنفسنا – بأن الأمور تحت السيطرة.

لكن السيطرة ليست دائمًا سلامًا.
أحيانًا هي مجرد قدرة على تأجيل الانهيار.

حين لا نكون على ما يرام، تتغير علاقتنا بالوقت.
الأيام تمرّ، لكنها لا تُحسَب. لا شيء مميز، ولا شيء سيئ بما يكفي ليُذكر. مجرد سلسلة من اللحظات المتشابهة. وكأن الحياة دخلت وضع “الحد الأدنى”: أقل شعور ممكن، أقل توقع ممكن، فقط كي نستمر.

وهنا، تكمن الخطورة.
ليس في الألم الصريح، بل في التبلّد. في الاعتياد على أن لا نشعر كثيرًا، لأن الشعور مرهق. في تقليل سقف الفرح كي لا نخيب. في تقليص الأحلام إلى حجم آمن.

ومع ذلك، لا يمكن إنكار شيء مهم:
هذه الحالة إنسانية جدًا.

ليست فشلًا، ولا خللًا أخلاقيًا، ولا دليل ضعف شخصية.
هي نتيجة طبيعية لحياة سريعة، مطالبة، مليئة بالأدوار، قليلة المساحات الآمنة. نتيجة لأننا نُطالَب بالتماسك أكثر مما نُمنَح الفهم. لأننا نعيش في عالم يقدّر الأداء أكثر من الصدق.

حين لا نكون على ما يرام، نحتاج أقل مما نظن.
لا نحتاج دائمًا حلولًا، ولا خططًا، ولا خطابات تحفيزية. أحيانًا نحتاج فقط إلى اعتراف. إلى شخص يقول: نعم، هذا شعور مفهوم. إلى مساحة لا نُطالَب فيها بأن نكون أفضل فورًا.

نحتاج أن نسمح لأنفسنا بالتباطؤ قليلًا.
أن نقرّ بأننا متعبون دون تبرير. أن نكفّ عن مقارنة داخلنا المضطرب بواجهات الآخرين المصقولة. أن نتذكر أن ما نراه من حياة الآخرين هو الجزء المعروض فقط، لا الكواليس.

الأهم من ذلك، نحتاج أن نكون أكثر لطفًا مع أنفسنا.
أن نخفف لغة القسوة الداخلية. أن نتوقف عن محاسبة أنفسنا على كل شعور لا يبدو “مثاليًا”. أن نفهم أن الاستقرار ليس حالة دائمة، بل موجة نصعدها وننزلها.

ربما لن نكون على ما يرام اليوم.
وربما غدًا أيضًا.

لكن هذا لا يعني أننا مكسورون، أو ضائعون، أو متأخرون عن الحياة.
يعني فقط أننا بشر، نحاول، ونتعب، ونواصل بما تيسّر من القوة.

وفي لحظة ما – غالبًا دون إعلان – يتحرك شيء في الداخل.
ليس لأن كل شيء صار أفضل، بل لأننا صرنا أصدق مع أنفسنا. لأننا لم نعد نهرب من الشعور، بل نجلس معه قليلًا. نسمح له بالمرور.

وحينها، لا نصبح “على ما يرام” فجأة،
لكننا نصبح أقرب إلى ذلك.

وهذا، في حد ذاته، بداية كافية.

 

المقالات

جمعية الإمارات لأصدقاء كبار المواطنين

أتقدم بخالص الشكر والتقدير إلى جمعية الإمارات لأصدقاء كبار المواطنين على دعوتكم الكريمة لحضور الاحتفالية الخاصة بـ يوم المرأة الإماراتية، والمقرر إقامتها يوم الأربعاء الموافق 27 أغسطس 2025.

إنها مناسبة وطنية غالية تعكس الاعتزاز بدور المرأة الإماراتية وما حققته من إنجازات رائدة في مختلف المجالات، ويسرّني ويشرفني تلبية هذه الدعوة الكريمة والمشاركة معكم في هذا الحدث المميز.

وأخص بالشكر الأخ الفاضل سعيد الطنيجي، وجميع القائمين على هذا التنظيم المبارك، على جهودكم المخلصة التي تعزز من قيمة هذه المناسبة.

مع خالص التقدير،
خالد السلامي

Originally posted 2025-08-24 17:46:09.

المقالات

يوم المرأة الإماراتية

في يوم المرأة الإماراتية، يسعدني أن أكون ضيف شرف في حفل جوهرة الخمسين الذي تنظمه مؤسسة مليون و233352 بتاريخ 30 أغسطس 2025 تحت شعار: يداً بيد نحتفي بالخمسين.

هذا الحدث المميز سيكون مناسبة للفخر والاعتزاز، حيث نحتفي بالمرأة الإماراتية التي كانت وما زالت شريكة الوطن في التحدي، وعماد المستقبل في البناء.

يتضمن برنامج الحفل إطلاق مبادرات نوعية مثل مليون متطوع مبتكر، وتكريم عدد من الملهمات بجواز السفر الفخري “جوهرة الخمسين – سفيرة رؤية الإمارات”.

كل الشكر والتقدير للقائمين على هذه المبادرة المضيئة التي تعكس قيمة العطاء، وتعزز مكانة المرأة الإماراتية كقائدة وصانعة للغد.

> إن تمكين المرأة في الخمسين المقبلة هو ركيزة أساسية لتحقيق مستهدفات رؤية الإمارات 2071، فالمرأة الإماراتية ليست مجرد شريكة، بل قائدة في ميادين الابتكار وريادة الأعمال وصناعة المستقبل.

 

رسالتي لكل إماراتية: أنتن صانعات المجد، قائدات الحاضر، ورائدات المستقبل… ومعاً نمضي نحو قمم لا تعرف حدودًا.
القوة في العطاء… والإرادة لا تعرف المستحيل.

Originally posted 2025-08-22 12:39:02.

المقالات

العودة إلى المدارس في الإمارات: تفاؤل وحماس لعام دراسي جديد

ها هي المدارس في الإمارات تفتح أبوابها من جديد. صوت الجرس يعلن بداية رحلة جديدة على طريق العلم والمعرفة. يحمل الصباح معه ضحكات الطلاب وابتساماتهم المتلهفة للقاء الأصدقاء والمعلمين بعد إجازة صيفية زاخرة بالذكريات. حقائبهم الجديدة تزدان بها ظهورهم الصغيرة تعبيرًا عن شوقهم للمعرفة والانطلاق نحو المستقبل. في هذا اليوم المميز، تتجدد الأحلام وتتوهج الآمال، فنحن أمام صفحة جديدة يخطّ فيها كل طالب حكاية نجاحه المقبلة.

أبنائي وبناتي الطلاب، بداية العام الدراسي هي مغامرة جديدة تخوضونها في دروب المعرفة. فيها ستكتشفون عالماً من المعلومات، وتكوّنون صداقات جديدة، وتنمّون مهاراتكم يومًا بعد يوم. استقبلوا أيام الدراسة بقلوب مفتوحة وعقول متطلعة، فكل درس هو خطوة جديدة تقرّبكم من أحلامكم الكبيرة. لا تخافوا من التحديات، بل اعتبروها فرصًا للتعلّم والتطوّر؛ فبالتجربة والصبر تُبنون شخصيات قوية وواثقة بنفسها.

نظّموا أوقاتكم بحكمة بين الدراسة والراحة، فالتوازن سرّ النجاح. ضعوا جدولًا لمذاكرة دروسكم والتزموا به مع مرونة تسمح لكم بالاستمتاع بهواياتكم المفضلة أيضًا. تذكّروا أن الاجتهاد في الدراسة اليوم هو ما سيضيء درب مستقبلكم غدًا، وأن كل ساعة تقضونها في التعلّم تقرّبكم خطوة نحو تحقيق أحلامكم. كونوا قدوة حسنة في مدرستكم وبيتكم، واحترموا معلميكم ووالديكم. فهم شركاء في رحلتكم التعليمية ويريدون لكم دائمًا الخير. وإذا شعرتم بالتعب أو الإحباط في لحظة ما، فتذكّروا أن النجاح حليف المثابرين، وأننا جميعًا نؤمن بقدراتكم. وقد عبّر عن هذه الثقة الأب والقائد، الشيخ محمد بن زايد آل نهيان، حين خاطب أبناءه الطلاب قائلاً: «أبنائي وبناتي.. أنتم مستقبل هذا الوطن.. والتعليم عنصر أساسي في مسيرة تنمية بلادنا…». فاجعلوا هذه الكلمات نورًا يضيء طريقكم ويذكّركم بأن وطنكم يفخر بكم وينتظر منكم الكثير.

عزيزي الأب، عزيزتي الأم، مع بداية هذا العام الدراسي الجديد يأتي دوركم الحاسم في دعم أبنائكم في رحلتهم التعليمية. أنتم الأمان الأول لأطفالكم، وبثقتكم وتشجيعكم ينطلقون كل صباح إلى المدرسة مفعمين بالتفاؤل. امنحوهم دفء الحبّ والسند، وأشعروهم أنكم فخورون بهم مهما كانت النتائج. فإن نجاحهم يُبنى خطوةً خطوةً بدعمكم المستمر.

احرصوا على توفير جميع الأدوات المدرسية اللازمة لأطفالكم من حقائب ودفاتر وأقلام وغيرها، ورتّبوا جدولًا يوميًا منتظمًا يشمل مواعيد النوم والاستيقاظ والوجبات والمذاكرة؛ فمثل هذا التنظيم يساعد أبناءكم على الانتظام والتركيز خلال اليوم الدراسي. تحدّثوا مع أبنائكم عن يومهم الدراسي، استمعوا إلى قصصهم ومشاعرهم، وأظهروا تفهّمكم لأي قلق أو صعوبة قد تواجههم؛ فإن إشراككم لهم في التحضير للعام الدراسي والاهتمام بمشاعرهم يعزّز ثقتهم بأنفسهم ويساعدهم على التكيّف مع أي تغييرات. تواصلوا باستمرار مع معلمي أبنائكم، فالتواصل المنتظم بين البيت والمدرسة يضمن متابعة أداء الطفل وحل أي مشكلة منذ بدايتها. وتذكّروا أن المدرسة هي البيت الثاني لأطفالكم، وأن تعاونكم مع المعلمين يوفّر بيئة آمنة ومحفّزة لنمو الطفل وتفوّقه. واعلموا أن دوركم العظيم محلّ تقدير دائم، فبفضل محبتكم وتربيتكم السليمة تُنشئون جيلاً متعلّمًا وواثقًا بنفسه يفخر بكم وبوطنه.

يا معلمي العزيز، يا معلمتي العزيزة، نشكركم من القلب على إخلاصكم وعطائكم في ميدان التربية والتعليم. أنتم قدوة لأبنائنا الطلاب، وبكم تزدهر العقول وترتقي الأرواح في رحاب المعرفة. مع بداية هذا العام الجديد، تتجدّد رسالتكم السامية في تنشئة جيلٍ محبٍّ للعلم والأخلاق. وكل كلمة تشجيع وكل ابتسامة تقدّمونها لطالب قد تصنع فرقًا في حياته ومستقبله.

لا شك أن التحديات ستظهر خلال أيام الدراسة، ولكن صبركم وإبداعكم هما المفتاح لتجاوزها. تذكّروا أن رسالتكم لا تقتصر على إيصال المعلومة، بل تتعدّاها إلى بناء الشخصيات وصقل المواهب واكتشاف القدرات الكامنة في طلابكم. أنتم جزء من فريق متكامل مع الأسر والإدارة المدرسية، يدًا بيد تصنعون بيئة تعليمية إيجابية ينمو فيها الطالب بثقة وشغف. وقد أكدت قيادتنا الرشيدة أن تكامل الأدوار بين المعلّم وولي الأمر يوفّر البيئة المناسبة لنجاح أبنائنا، فكونوا دومًا حلقة وصل بناءة تعزّز التواصل والتفاهم من أجل مصلحة الطالب. نحن واثقون أن عطائكم هذا العام سيكون كما عهدناه دائمًا مضيئًا ومثمرًا، فأنتم صُنّاع المستقبل الذين ينحتون بإخلاصهم ملامح الغد الجميل.

وفي الختام، ها نحن جميعًا – طلابًا وأهالي ومعلمين – نمضي قدمًا يدًا بيد لصنع عام دراسي ناجح ومشرق بالإنجازات. بالتفاؤل والعمل الجماعي والإصرار، سنجعل من هذا العام قصة نجاح جديدة نضيفها بفخر إلى مسيرة التعليم في وطننا الغالي. كل عام وأنتم بخير، وعام دراسي سعيد للجميع!

Originally posted 2025-08-22 09:49:24.

المقالات

احتفاء باليوم الوطني لمملكة البحرين الشقيقة

بمناسبة هذا اليوم العزيز، نتقدم بخالص التهاني إلى جلالة الملك حمد بن عيسى آل خليفة، قائد الحكمة والبصيرة، الذي أرسى دعائم التقدم والنهضة. ندعو الله أن يوفقه لما فيه الخير لمملكة البحرين، وأن يمده بالصحة والعافية. كما نبعث بأرق التحيات إلى صاحب السمو الملكي الأمير سلمان بن حمد آل خليفة، الذي يمثل روح الشباب والطموح في مسيرة التنمية والبناء.

في هذا اليوم المميز، نستذكر الإنجازات الكبيرة التي حققتها مملكة البحرين في مختلف المجالات، من الاقتصاد إلى الثقافة، ومن التعليم إلى الصحة. لقد باتت البحرين نموذجاً يحتذى به في التطوير والإبداع، مما يرفع من شأنها بين الدول. أسماء عديدة تركت بصماتها على تاريخ هذا الوطن العزيز، منها الشيخة مي بنت محمد آل خليفة، التي ارتقت بالثقافة البحرينية إلى مصاف العالمية، والمهندس خالد حميدان، الذي ساهم بجهوده في تطوير البنية التحتية ودعم المشاريع الاستراتيجية.

إن يومكم الوطني هو يوم فرح لكل خليجي، نحتفل فيه معكم بعلاقة تاريخية قوية وأواصر متينة تجمعنا، مبنية على الأخوة والمصير المشترك. نرى في إنجازاتكم انعكاساً لقوة الإرادة والعزيمة، وقدرة مملكة البحرين على مواجهة التحديات بصلابة واقتدار.

ندعو الله أن يديم على مملكة البحرين نعمة الأمن والاستقرار، وأن يزيدها ازدهاراً وتقدماً. وكل عام والبحرين الحبيبة بألف خير، مزدانة بالعز والفخر، وحاضنة لأبناء الوطن المخلصين.

حفظ الله البحرين قيادةً وشعباً، وأدام عليها أفراحها.

مع خالص الود والتقدير،

المقالات

هشاشة الضوء

الضوء حين يولد لا يعدنا بالخلود. إنه ومضة، لحظة، شعاع يتسلّل ثم يتلاشى، تاركًا خلفه أثرًا لا يُمحى بسهولة. قد يظن البعض أن الضوء رمز القوة، لكنه في جوهره هشّ، يتكسّر عند أول جدار، ينطفئ مع أول نفخة ريح، ويغيب كل مساء حين تبتلع الشمس الأفق. ومع ذلك، نحن نتعلّق به، نطلبه في ليلنا ونهارنا، نعيد إشعاله كلما خبا، وكأننا ندرك سرّ هشاشته ونصرّ على ملاحقته.

قيمة الضوء في ضعفه

الهشاشة ليست عيبًا في الضوء، بل هي ما يمنحه معناه. لو كان دائمًا، لفقدنا الإحساس بقيمته. إننا نرى جماله في لحظة الشروق، لأننا نعرف أنه سيمضي. نغني له عند المغيب، لأنه يتركنا لظلام لا مفر منه. وفي هذه الثنائية يتجلّى درس وجودي: أن الأشياء الثمينة قصيرة العمر، وأن النور لا يثبت إلا في عيون من يعرف كيف يحفظه.

الحياة نفسها انعكاس لهشاشة الضوء. اللحظات السعيدة لا تدوم، لكنها تكفي لتضيء أعوامًا من العتمة. الحب، الصداقة، الحلم، كلها أنوار تولد بضعف وتكبر بضعف، لكنها قادرة على بعث الدفء في قلوبنا حتى بعد أن تخبو. ولعل أعظم ما في الضوء أن أثره يستمر حتى بعد انطفائه؛ مثل الشفق الذي يظل يلوّن السماء قليلًا بعد غروب الشمس، أو كذكرى دافئة تبقى في القلب بعد أن يغادر أصحابها.

الضوء كرمز داخلي

وليس الضوء في حياتنا مجرد أشعة حسية، بل هو رمز لمعانٍ أعمق: الأمل الذي يشبه شمعة في ليل طويل، الإيمان الذي ينير القلب وسط الفتن، الحكمة التي تلمع وسط جهل صاخب. لكن هذا كله هش، يحتاج إلى حماية. فالشمعة لا تبقى مشتعلة دون من يصونها، والإيمان يحتاج إلى عمل، والحكمة تحتاج إلى تربية وصبر. النور في جوهره مسؤولية، ومن لم يراعِه ضاع.

في القرآن الكريم نجد لمحة عن هذا المعنى في قوله تعالى: «اللَّهُ نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ» (النور: 35)، حيث يُربط الضوء بالوجود نفسه، بالنظام والمعنى والطمأنينة. لكن هذا النور لا يكتمل أثره إلا حين ينغرس في القلوب لتصبح مصدر إشعاع للآخرين.

انعكاسات الطبيعة

في الطبيعة، نجد الدرس نفسه. القمر لا يضيء بذاته، بل يعكس نورًا من بعيد. النجوم البعيدة قد تنطفئ منذ آلاف السنين، لكن ضوءها ما زال يسافر نحونا. وهكذا نحن البشر؛ قد تنطفئ فينا بعض الأحلام، لكن أثرها يظل يسكن أعين من عرفونا. كأن الضوء ليس ملكًا لصاحبه، بل هدية للعالم من خلاله.

الشاعر أبو الطيب المتنبي أشار إلى هذا البعد الرمزي للأنوار حين قال:

إذا غامرتَ في شرفٍ مرومِ … … … فلا تقنعْ بمـا دون النجومِ

فالنجوم هنا ليست مجرد أجرام سماوية، بل إشارات للمعالي والغايات العليا. النور إذن دعوة للسعي، حتى وهو بعيد المنال.

الدرس الإنساني

فإذا تأملنا هشاشة الضوء، أدركنا أنه يعلّمنا فن العيش. أن نقبل أن كل شيء جميل عابر، وأن دوام الحال ليس من سنن الوجود. الهشاشة ليست ضعفًا، بل دعوة للوعي: أن نُمسك باللحظة، أن نصون شعلة القلب، وألا نغتر ببريق يزول. فربما كانت قيمة الضوء في أنه يذكّرنا دومًا بما يمكن أن ينطفئ.

قال جبران خليل جبران: «في قلب كل شتاء ربيع نابض، ووراء كل ليل فجر باسم». وكأن في كلامه إشارة إلى أن النور يظل حاضرًا حتى وهو مخبوء، وأن هشاشته لا تعني موته، بل انتظار ميلاده من جديد.

بين الهشاشة والجمال

قد يظن المرء أن الهشاشة نقيض الجمال، لكن الحقيقة أن الهشاشة هي ما يجعل الجمال مؤثرًا. فلو كان الضوء دائمًا، لاعتدناه حتى الملل. لكن لأننا نعرف أنه سيغيب، نصبح أكثر حرصًا على التمتع به حين يحضر. وربما لهذا السبب كان الشعراء يصفون المحبوب بالضياء أو بالبدر، ليدلوا على أن لحظة الجمال أشبه بلمعان، تُرى ولا تُمسك.

 

ويبقى السؤال معلّقًا: هل الهشاشة هي ما يجعل الضوء أجمل، أم أنها لعنة تلاحقه منذ ولادته الأولى؟ وهل نحن حين نتعلق بالأنوار، نبحث عن قوتها، أم عن ضعفها الذي يشبهنا؟ لعل الجواب لا يجيء بالكلمات، بل بالعيش نفسه، حين نتعلم أن نحتضن شعلة صغيرة في قلوبنا، ونتركها تنير الطريق ولو للحظة عابرة.

Originally posted 2025-08-19 15:23:08.

المقالات

قائد الأثر الاجتماعي لعام 2025

في كل محطة من محطات الحياة، هناك لحظات لا تُقاس بحجمها الزمني، بل بما تتركه في القلب من أثر ومعنى. ومن بين تلك اللحظات التي أعتز بها أيّما اعتزاز، حصولي على شهادة قائد الأثر الاجتماعي لعام 2025 من المركز العربي الأوروبي لحقوق الإنسان والقانون الدولي (AECHRIL) في مملكة النرويج، تزامناً مع اليوم العالمي لحقوق الإنسان الذي يحتفل به العالم في العاشر من ديسمبر من كل عام.

هذا التكريم بالنسبة لي ليس مجرّد شهادة أعلقها على الجدار، بل هو رسالة ومسؤولية وتجديد عهد مع الإنسان، قبل أي شيء آخر.

 

معنى هذا التكريم بالنسبة لي

حين أُبلغت بهذا الاختيار، عادت إلى ذهني كل الوجوه التي قابلتها في مسيرة العمل الإنساني والاجتماعي:
وجوه المحتاجين، والأسر المتعففة، وذوي الإعاقة، وكبار السن، والأطفال الذين ينتظرون فرصة أمل، والشباب الباحثين عن من يثق بقدرتهم. أدركت أن هذا التكريم في جوهره هو لهم، ولأجلهم، ومن أجل كل قضية عملنا عليها بدافع الإيمان بأن للإنسان كرامة لا تُمس، وحقاً في الحياة الكريمة لا يُساوَم عليه.

لقد جاء نص خطاب المركز العربي الأوروبي ليعبّر بدقة عن جوهر الرسالة التي أحاول أن ألتزم بها في عملي:
تحويل التعاطف إلى فعل، وتحويل التحديات إلى فرص للأمل والحماية والتغيير الإيجابي، والإيمان بأن العدالة والتضامن والقيادة المسؤولة ليست شعارات، بل ممارسات يومية تُترجم في برامج ومبادرات وقرارات.

 

من التعاطف إلى العمل

منذ بداية مسيرتي في العمل الإنساني والاجتماعي، كنت أرى أن كل فكرة نبيلة لا تتحول إلى مشروع أو مبادرة أو خطة عمل، تبقى حبيسة النوايا الطيبة. لذلك حاولت دائماً أن أربط بين الحس الإنساني وبين التخطيط المؤسسي والعمل المنظم، لأن الاستدامة لا تتحقق بالعواطف وحدها، بل بالمنهج والرؤية والعمل الجماعي.

عملنا، ولله الحمد، في مجالات متعددة:

  • دعم الفئات الأكثر عرضة للهشاشة الاجتماعية.
  • تمكين الأفراد والأسر من الاعتماد على الذات قدر الإمكان.
  • نشر ثقافة المسؤولية المجتمعية والشراكة بين القطاعين العام والخاص والمجتمع المدني.
  • تعزيز قيم التسامح، والتعايش، واحترام الإنسان مهما كان دينه أو جنسه أو خلفيته.

كل مبادرة، صغيرة كانت أو كبيرة، كنت أتعامل معها على أنها فرصة جديدة لصناعة فرق حقيقي في حياة شخص أو أسرة أو مجتمع محلي، لأن الأثر الاجتماعي لا يُقاس دائماً بالأرقام الكبيرة، بل أحياناً بابتسامة شخص واحد شعر أن هناك من يلتفت إليه ويهتم لأجله.

 

الارتباط باليوم العالمي لحقوق الإنسان

من دلالات هذا التكريم أنه جاء في اليوم العالمي لحقوق الإنسان؛ اليوم الذي يذكّر العالم بأن كرامة الإنسان هي الأساس الذي تُبنى عليه المجتمعات السليمة.

أومن أن حقوق الإنسان ليست خطاباً سياسياً ولا موضوعاً قانونياً فقط، بل هي ثقافة حياة. عندما نحفظ حق الطفل في التعليم، وحق المريض في العلاج، وحق الضعيف في الحماية، وحق كل إنسان في أن يُعامل باحترام؛ فنحن لا نطبّق مواد قانونية فحسب، بل نبني مجتمعاً أكثر تماسكاً وأمناً واستقراراً.

ولهذا أرى أن العمل الإنساني هو الوجه العملي لحقوق الإنسان، وأن كل مبادرة اجتماعية صادقة هي في جوهرها دفاع عن حق، أو صون لكرامة، أو حماية لإنسان من الوقوع في الهشاشة أو التهميش.

 

المسؤولية التي يحمّلها لي هذا اللقب

أن تُمنح لقب قائد الأثر الاجتماعي يعني أن الآخرين رأوا في مسيرتك أثراً واضحاً، ولكن الأهم بالنسبة لي هو ما يترتب على هذا اللقب من مسؤولية مضاعفة:

أولاً:
أن أستمر في العمل بنفس الحماس والالتزام، بل بروح أكبر، لأن من يكرّمه المجتمع أو المؤسسات الإنسانية لا يملك رفاهية التراجع أو الاكتفاء بما تحقق.

ثانياً:
أن أكون قدوة، قدر المستطاع، لكل شاب وشابة يؤمنون بأن العمل الإنساني يمكن أن يكون مسار حياة، لا مجرد عمل تطوعي عابر. أريد أن أقول لهم من خلال هذه التجربة: يمكن للإنسان أن يجمع بين التميز المهني وبين العطاء المجتمعي، وأن يترك بصمته في مجتمعه مهما كانت إمكاناته.

ثالثاً:
أن أواصل بناء الشراكات وتوسيع دائرة التأثير، لأن الأثر الاجتماعي الحقيقي لا يصنعه فرد بمفرده، بل تصنعه فرق عمل ومؤسسات متعاونة وشبكات من المتطوعين والمؤمنين بالرسالة ذاتها.

 

شكر وعرفان

أتوجّه بخالص الشكر والتقدير إلى المركز العربي الأوروبي لحقوق الإنسان والقانون الدولي (AECHRIL) في مملكة النرويج، على هذه الثقة العزيزة على قلبي، وعلى ما يقوم به من جهود رفيعة المستوى في نشر ثقافة حقوق الإنسان وتعزيز العمل الإنساني على المستويين العربي والأوروبي.

كما أتوجّه بالشكر لكل من وقف معي في هذه المسيرة:
أسرتي التي كانت دائماً السند الروحي والمعنوي، وزملائي وشركائي في مختلف المؤسسات والهيئات، وكل متطوع شارك في مبادرة، أو قدّم ساعة من وقته لخدمة إنسان محتاج. هؤلاء جميعاً شركاء حقيقيون في هذا التكريم، ولولاهم لما تحقّق شيء مما نفاخر به اليوم.

 

عهد للمستقبل

أكتب هذه السطور على موقعي الشخصي ليس من باب الاحتفاء بالتكريم ذاته، بل من باب توثيق عهد أجدد نفسي عليه أمام الله وأمام المجتمع:

أن أظل متمسكاً برسالة العمل الإنساني والاجتماعي، وأن أبقى صوتاً مدافعاً عن كرامة الإنسان وحقوقه، وأن أواصل السعي إلى بناء مبادرات ومشاريع تترك أثراً حقيقياً ومستداماً في حياة الناس، وأن أستثمر كل خبرة وفرصة وعلاقة من أجل خدمة قضايا الإنسان أينما كان.

قد تتغير الأدوات والآليات بتغيّر الزمن والتقنيات، لكن ستبقى البوصلة واحدة: الإنسان أولاً.

 

وفي الختام، أدعو كل من يقرأ هذه الكلمات إلى أن يجعل لنفسه نصيباً من الأثر الاجتماعي، أيّاً كان مجاله أو مهنته أو موقعه؛ فالعالم اليوم يحتاج إلى مزيد من الإنسانية، وإلى قلوب تؤمن بأن العطاء لا ينقص، بل يزيد صاحبه قيمة وكرامة وطمأنينة.

د. خالد السلامي
قائد الأثر الاجتماعي لعام 2025