المقالات

حين تعبر الأوطان المحنة بسلام، لا يكون ذلك صدفة

في اللحظات العادية، يبدو الوطن فكرة مستقرة في القلب؛ اسمًا على جواز السفر، وعلمًا يرفرف فوق المباني، وأناشيد تحفظها الذاكرة منذ الطفولة. لكن في اللحظات الاستثنائية، يتغيّر كل شيء. يصبح الوطن اختبارًا حيًا للثقة، ومعنى عمليًا للأمان، وتجربة شخصية يشعر بها الإنسان في نبضه قبل أن يعبّر عنها بالكلمات.

نحن لا نعرف قيمة الطمأنينة حقًا إلا عندما تمرّ بالقرب منا رياح القلق. عندها فقط نفهم أن الأمن ليس مشهدًا اعتياديًا، ولا أمرًا يمكن التعامل معه كأنه مضمون إلى الأبد. الأمن بناءٌ يومي، وجهدٌ طويل، ويقظة لا تنام، ومؤسسات تعرف ماذا تفعل حين يضطرب المشهد من حولها. وحين تنجح دولة في عبور مرحلة دقيقة بسلام، فإن هذا العبور لا يجب أن يُقرأ على أنه مجرد حظّ عابر، بل ثمرة وعي، وحكمة، وثبات، وانتماء متبادل بين القيادة والشعب.

في الأوقات الصعبة، هناك دول ترتبك، ودول تصرخ، ودول تستهلكها الفوضى. وهناك دول أخرى تعرف كيف تحافظ على اتزانها، وكيف تمنع الخوف من أن يتحول إلى هزيمة نفسية، وكيف تُبقي المجتمع متماسكًا حتى لو كان المشهد من حوله مضطربًا. هنا يظهر الفرق الحقيقي بين دولة قائمة على ردود الفعل، ودولة مبنية على الجاهزية. بين وطن يكتفي بالشعارات، ووطن يثبت معناه بالفعل.

العبور بسلام لا يعني فقط أن الخطر مرّ. بل يعني أن الروح الوطنية خرجت من الامتحان أكثر صفاءً. يعني أن الناس اكتشفوا من جديد قيمة الالتفاف حول وطنهم. يعني أن العلم لم يعد مجرد رمز يُرفع في المناسبات، بل صار علامة شعورية على الانتماء، ودليلًا على أن هذا البيت الكبير ما زال متماسكًا، وأن هذه الأرض تعرف كيف تحمي أبناءها وتصون منجزاتها. في مثل هذه اللحظات، لا يكون رفع العلم حركة شكلية، بل تعبيرًا داخليًا عن امتنان عميق لوطن أثبت أنه أكبر من القلق، وأقوى من الضجيج، وأرسخ من الشائعات.

ولعلّ أجمل ما في الأوطان القوية أنها لا تكتفي بالنجاة، بل تحوّل لحظات التحدي إلى لحظات كشف. تكشف معدن المجتمع، وصدق الانتماء، وعمق الثقة، وحقيقة العلاقة بين الإنسان وأرضه. فالوطن الحقيقي ليس المكان الذي نمدحه فقط حين يكون كل شيء بخير، بل المكان الذي نزداد تعلقًا به حين تشتد الظروف. هو الذي لا نهرب منه في لحظة القلق، بل نقترب منه أكثر. نتمسك بلغته ورموزه وذاكرته ورايته، لأننا نعرف أن الأوطان الكبيرة لا تُقاس بما تملكه فقط، بل بما تبنيه داخل نفوس أهلها من يقين.

وفي زمن تتسارع فيه الأخبار، وتنتشر فيه الإشاعة أسرع من الحقيقة، يصبح الوعي شكلًا من أشكال الوطنية. ليس كل من يتحدث كثيرًا يعرف، وليس كل من ينقل معلومة يخدم وطنه. أحيانًا تكون الحكمة في التثبت، ويكون الوفاء في ضبط الكلمة، ويكون الانتماء في الامتناع عن تضخيم الخوف أو إعادة تدوير القلق أو فتح الأبواب أمام البلبلة. فالأوطان لا يحرسها السلاح وحده، بل يحرسها أيضًا وعي الناس، ومسؤولية الكلمة، واحترام الحقيقة.

لقد علمتنا اللحظات الأخيرة درسًا لا ينبغي أن يمرّ عابرًا: أن قوة الوطن ليست في صلابته الأمنية فقط، بل في مناعته النفسية أيضًا. في قدرته على أن يبقي الحياة مستمرة، والناس مطمئنين، والمؤسسات فاعلة، والثقة قائمة. هذه القوة الهادئة هي من أرقى أشكال القوة. لأنها لا تستعرض نفسها بالصوت المرتفع، بل تثبت حضورها حين يحتاجها الجميع.

وحين نتأمل ما حدث من زاوية أعمق، ندرك أن الانتصار ليس دائمًا صورة صاخبة، وليس بالضرورة مشهدًا حادًا مليئًا بالهتاف. أحيانًا يكون الانتصار في أن تبقى الحياة واقفة على قدميها. في أن ينام الناس مطمئنين. في أن تستمر المدارس والمستشفيات والمطارات والأسواق والبيوت في أداء دورها. في أن يشعر المواطن والمقيم أن خلف هذا المشهد دولة لا تتخلى عن مسؤوليتها، ولا تسمح للفوضى أن تتسلل إلى يومه العادي. هذا النوع من الانتصار لا يصنع ضجة، لكنه يصنع تاريخًا من الثقة.

ومن هنا، فإن الحديث عن العبور من الوضع الأخير بسلام ليس مجرد تعليق على حدث انتهى، بل هو تأمل في معنى الوطن حين يكون وطنًا بحق. معنى الدولة حين تكون دولة بالفعل. معنى القيادة حين تقود بثقة لا بانفعال، ومعنى الشعب حين يثبت أن الانتماء ليس كلامًا يُقال، بل موقفًا يُرى في ساعات الاختبار.

إن الأوطان التي تعبر المحنة بسلام تستحق منا أكثر من الاحتفال العابر. تستحق أن نعيد النظر في معنى الوفاء، وأن نرفع منسوب الامتنان، وأن نتمسك أكثر بالوحدة، وأن نفهم أن الاستقرار الذي نعيشه ليس تفصيلًا صغيرًا في حياتنا، بل نعمة كبرى تستحق الحراسة بالوعي والعمل والمحبة.

لهذا كله، فإن ما نشعر به اليوم لا ينبغي أن يكون مجرد ارتياح لأن مرحلة صعبة مرّت، بل فخرٌ بأننا ننتمي إلى وطن يعرف كيف يمرّ من العاصفة مرفوع الرأس. وطن إذا اشتدت الأيام، ازداد تماسكًا. وإذا ارتفعت التحديات، ارتفع معها الوعي. وإذا حاول القلق أن يطرق الأبواب، وجد خلفها شعبًا يعرف من هو، وقيادة تعرف إلى أين تمضي، وراية لا تنخفض.

ذلك هو الوطن الذي لا نعبر به الأيام فقط، بل يعبر بنا نحن أيضًا إلى مساحة أوسع من الثقة والمعنى والانتماء.

المقالات

العودة إلى المدارس في الإمارات: تفاؤل وحماس لعام دراسي جديد

ها هي المدارس في الإمارات تفتح أبوابها من جديد. صوت الجرس يعلن بداية رحلة جديدة على طريق العلم والمعرفة. يحمل الصباح معه ضحكات الطلاب وابتساماتهم المتلهفة للقاء الأصدقاء والمعلمين بعد إجازة صيفية زاخرة بالذكريات. حقائبهم الجديدة تزدان بها ظهورهم الصغيرة تعبيرًا عن شوقهم للمعرفة والانطلاق نحو المستقبل. في هذا اليوم المميز، تتجدد الأحلام وتتوهج الآمال، فنحن أمام صفحة جديدة يخطّ فيها كل طالب حكاية نجاحه المقبلة.

أبنائي وبناتي الطلاب، بداية العام الدراسي هي مغامرة جديدة تخوضونها في دروب المعرفة. فيها ستكتشفون عالماً من المعلومات، وتكوّنون صداقات جديدة، وتنمّون مهاراتكم يومًا بعد يوم. استقبلوا أيام الدراسة بقلوب مفتوحة وعقول متطلعة، فكل درس هو خطوة جديدة تقرّبكم من أحلامكم الكبيرة. لا تخافوا من التحديات، بل اعتبروها فرصًا للتعلّم والتطوّر؛ فبالتجربة والصبر تُبنون شخصيات قوية وواثقة بنفسها.

نظّموا أوقاتكم بحكمة بين الدراسة والراحة، فالتوازن سرّ النجاح. ضعوا جدولًا لمذاكرة دروسكم والتزموا به مع مرونة تسمح لكم بالاستمتاع بهواياتكم المفضلة أيضًا. تذكّروا أن الاجتهاد في الدراسة اليوم هو ما سيضيء درب مستقبلكم غدًا، وأن كل ساعة تقضونها في التعلّم تقرّبكم خطوة نحو تحقيق أحلامكم. كونوا قدوة حسنة في مدرستكم وبيتكم، واحترموا معلميكم ووالديكم. فهم شركاء في رحلتكم التعليمية ويريدون لكم دائمًا الخير. وإذا شعرتم بالتعب أو الإحباط في لحظة ما، فتذكّروا أن النجاح حليف المثابرين، وأننا جميعًا نؤمن بقدراتكم. وقد عبّر عن هذه الثقة الأب والقائد، الشيخ محمد بن زايد آل نهيان، حين خاطب أبناءه الطلاب قائلاً: «أبنائي وبناتي.. أنتم مستقبل هذا الوطن.. والتعليم عنصر أساسي في مسيرة تنمية بلادنا…». فاجعلوا هذه الكلمات نورًا يضيء طريقكم ويذكّركم بأن وطنكم يفخر بكم وينتظر منكم الكثير.

عزيزي الأب، عزيزتي الأم، مع بداية هذا العام الدراسي الجديد يأتي دوركم الحاسم في دعم أبنائكم في رحلتهم التعليمية. أنتم الأمان الأول لأطفالكم، وبثقتكم وتشجيعكم ينطلقون كل صباح إلى المدرسة مفعمين بالتفاؤل. امنحوهم دفء الحبّ والسند، وأشعروهم أنكم فخورون بهم مهما كانت النتائج. فإن نجاحهم يُبنى خطوةً خطوةً بدعمكم المستمر.

احرصوا على توفير جميع الأدوات المدرسية اللازمة لأطفالكم من حقائب ودفاتر وأقلام وغيرها، ورتّبوا جدولًا يوميًا منتظمًا يشمل مواعيد النوم والاستيقاظ والوجبات والمذاكرة؛ فمثل هذا التنظيم يساعد أبناءكم على الانتظام والتركيز خلال اليوم الدراسي. تحدّثوا مع أبنائكم عن يومهم الدراسي، استمعوا إلى قصصهم ومشاعرهم، وأظهروا تفهّمكم لأي قلق أو صعوبة قد تواجههم؛ فإن إشراككم لهم في التحضير للعام الدراسي والاهتمام بمشاعرهم يعزّز ثقتهم بأنفسهم ويساعدهم على التكيّف مع أي تغييرات. تواصلوا باستمرار مع معلمي أبنائكم، فالتواصل المنتظم بين البيت والمدرسة يضمن متابعة أداء الطفل وحل أي مشكلة منذ بدايتها. وتذكّروا أن المدرسة هي البيت الثاني لأطفالكم، وأن تعاونكم مع المعلمين يوفّر بيئة آمنة ومحفّزة لنمو الطفل وتفوّقه. واعلموا أن دوركم العظيم محلّ تقدير دائم، فبفضل محبتكم وتربيتكم السليمة تُنشئون جيلاً متعلّمًا وواثقًا بنفسه يفخر بكم وبوطنه.

يا معلمي العزيز، يا معلمتي العزيزة، نشكركم من القلب على إخلاصكم وعطائكم في ميدان التربية والتعليم. أنتم قدوة لأبنائنا الطلاب، وبكم تزدهر العقول وترتقي الأرواح في رحاب المعرفة. مع بداية هذا العام الجديد، تتجدّد رسالتكم السامية في تنشئة جيلٍ محبٍّ للعلم والأخلاق. وكل كلمة تشجيع وكل ابتسامة تقدّمونها لطالب قد تصنع فرقًا في حياته ومستقبله.

لا شك أن التحديات ستظهر خلال أيام الدراسة، ولكن صبركم وإبداعكم هما المفتاح لتجاوزها. تذكّروا أن رسالتكم لا تقتصر على إيصال المعلومة، بل تتعدّاها إلى بناء الشخصيات وصقل المواهب واكتشاف القدرات الكامنة في طلابكم. أنتم جزء من فريق متكامل مع الأسر والإدارة المدرسية، يدًا بيد تصنعون بيئة تعليمية إيجابية ينمو فيها الطالب بثقة وشغف. وقد أكدت قيادتنا الرشيدة أن تكامل الأدوار بين المعلّم وولي الأمر يوفّر البيئة المناسبة لنجاح أبنائنا، فكونوا دومًا حلقة وصل بناءة تعزّز التواصل والتفاهم من أجل مصلحة الطالب. نحن واثقون أن عطائكم هذا العام سيكون كما عهدناه دائمًا مضيئًا ومثمرًا، فأنتم صُنّاع المستقبل الذين ينحتون بإخلاصهم ملامح الغد الجميل.

وفي الختام، ها نحن جميعًا – طلابًا وأهالي ومعلمين – نمضي قدمًا يدًا بيد لصنع عام دراسي ناجح ومشرق بالإنجازات. بالتفاؤل والعمل الجماعي والإصرار، سنجعل من هذا العام قصة نجاح جديدة نضيفها بفخر إلى مسيرة التعليم في وطننا الغالي. كل عام وأنتم بخير، وعام دراسي سعيد للجميع!

Originally posted 2025-08-22 09:49:24.

المقالات

احتفاء باليوم الوطني لمملكة البحرين الشقيقة

بمناسبة هذا اليوم العزيز، نتقدم بخالص التهاني إلى جلالة الملك حمد بن عيسى آل خليفة، قائد الحكمة والبصيرة، الذي أرسى دعائم التقدم والنهضة. ندعو الله أن يوفقه لما فيه الخير لمملكة البحرين، وأن يمده بالصحة والعافية. كما نبعث بأرق التحيات إلى صاحب السمو الملكي الأمير سلمان بن حمد آل خليفة، الذي يمثل روح الشباب والطموح في مسيرة التنمية والبناء.

في هذا اليوم المميز، نستذكر الإنجازات الكبيرة التي حققتها مملكة البحرين في مختلف المجالات، من الاقتصاد إلى الثقافة، ومن التعليم إلى الصحة. لقد باتت البحرين نموذجاً يحتذى به في التطوير والإبداع، مما يرفع من شأنها بين الدول. أسماء عديدة تركت بصماتها على تاريخ هذا الوطن العزيز، منها الشيخة مي بنت محمد آل خليفة، التي ارتقت بالثقافة البحرينية إلى مصاف العالمية، والمهندس خالد حميدان، الذي ساهم بجهوده في تطوير البنية التحتية ودعم المشاريع الاستراتيجية.

إن يومكم الوطني هو يوم فرح لكل خليجي، نحتفل فيه معكم بعلاقة تاريخية قوية وأواصر متينة تجمعنا، مبنية على الأخوة والمصير المشترك. نرى في إنجازاتكم انعكاساً لقوة الإرادة والعزيمة، وقدرة مملكة البحرين على مواجهة التحديات بصلابة واقتدار.

ندعو الله أن يديم على مملكة البحرين نعمة الأمن والاستقرار، وأن يزيدها ازدهاراً وتقدماً. وكل عام والبحرين الحبيبة بألف خير، مزدانة بالعز والفخر، وحاضنة لأبناء الوطن المخلصين.

حفظ الله البحرين قيادةً وشعباً، وأدام عليها أفراحها.

مع خالص الود والتقدير،

Originally posted 2025-12-16 15:23:30.

المقالات

هشاشة الضوء

الضوء حين يولد لا يعدنا بالخلود. إنه ومضة، لحظة، شعاع يتسلّل ثم يتلاشى، تاركًا خلفه أثرًا لا يُمحى بسهولة. قد يظن البعض أن الضوء رمز القوة، لكنه في جوهره هشّ، يتكسّر عند أول جدار، ينطفئ مع أول نفخة ريح، ويغيب كل مساء حين تبتلع الشمس الأفق. ومع ذلك، نحن نتعلّق به، نطلبه في ليلنا ونهارنا، نعيد إشعاله كلما خبا، وكأننا ندرك سرّ هشاشته ونصرّ على ملاحقته.

قيمة الضوء في ضعفه

الهشاشة ليست عيبًا في الضوء، بل هي ما يمنحه معناه. لو كان دائمًا، لفقدنا الإحساس بقيمته. إننا نرى جماله في لحظة الشروق، لأننا نعرف أنه سيمضي. نغني له عند المغيب، لأنه يتركنا لظلام لا مفر منه. وفي هذه الثنائية يتجلّى درس وجودي: أن الأشياء الثمينة قصيرة العمر، وأن النور لا يثبت إلا في عيون من يعرف كيف يحفظه.

الحياة نفسها انعكاس لهشاشة الضوء. اللحظات السعيدة لا تدوم، لكنها تكفي لتضيء أعوامًا من العتمة. الحب، الصداقة، الحلم، كلها أنوار تولد بضعف وتكبر بضعف، لكنها قادرة على بعث الدفء في قلوبنا حتى بعد أن تخبو. ولعل أعظم ما في الضوء أن أثره يستمر حتى بعد انطفائه؛ مثل الشفق الذي يظل يلوّن السماء قليلًا بعد غروب الشمس، أو كذكرى دافئة تبقى في القلب بعد أن يغادر أصحابها.

الضوء كرمز داخلي

وليس الضوء في حياتنا مجرد أشعة حسية، بل هو رمز لمعانٍ أعمق: الأمل الذي يشبه شمعة في ليل طويل، الإيمان الذي ينير القلب وسط الفتن، الحكمة التي تلمع وسط جهل صاخب. لكن هذا كله هش، يحتاج إلى حماية. فالشمعة لا تبقى مشتعلة دون من يصونها، والإيمان يحتاج إلى عمل، والحكمة تحتاج إلى تربية وصبر. النور في جوهره مسؤولية، ومن لم يراعِه ضاع.

في القرآن الكريم نجد لمحة عن هذا المعنى في قوله تعالى: «اللَّهُ نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ» (النور: 35)، حيث يُربط الضوء بالوجود نفسه، بالنظام والمعنى والطمأنينة. لكن هذا النور لا يكتمل أثره إلا حين ينغرس في القلوب لتصبح مصدر إشعاع للآخرين.

انعكاسات الطبيعة

في الطبيعة، نجد الدرس نفسه. القمر لا يضيء بذاته، بل يعكس نورًا من بعيد. النجوم البعيدة قد تنطفئ منذ آلاف السنين، لكن ضوءها ما زال يسافر نحونا. وهكذا نحن البشر؛ قد تنطفئ فينا بعض الأحلام، لكن أثرها يظل يسكن أعين من عرفونا. كأن الضوء ليس ملكًا لصاحبه، بل هدية للعالم من خلاله.

الشاعر أبو الطيب المتنبي أشار إلى هذا البعد الرمزي للأنوار حين قال:

إذا غامرتَ في شرفٍ مرومِ … … … فلا تقنعْ بمـا دون النجومِ

فالنجوم هنا ليست مجرد أجرام سماوية، بل إشارات للمعالي والغايات العليا. النور إذن دعوة للسعي، حتى وهو بعيد المنال.

الدرس الإنساني

فإذا تأملنا هشاشة الضوء، أدركنا أنه يعلّمنا فن العيش. أن نقبل أن كل شيء جميل عابر، وأن دوام الحال ليس من سنن الوجود. الهشاشة ليست ضعفًا، بل دعوة للوعي: أن نُمسك باللحظة، أن نصون شعلة القلب، وألا نغتر ببريق يزول. فربما كانت قيمة الضوء في أنه يذكّرنا دومًا بما يمكن أن ينطفئ.

قال جبران خليل جبران: «في قلب كل شتاء ربيع نابض، ووراء كل ليل فجر باسم». وكأن في كلامه إشارة إلى أن النور يظل حاضرًا حتى وهو مخبوء، وأن هشاشته لا تعني موته، بل انتظار ميلاده من جديد.

بين الهشاشة والجمال

قد يظن المرء أن الهشاشة نقيض الجمال، لكن الحقيقة أن الهشاشة هي ما يجعل الجمال مؤثرًا. فلو كان الضوء دائمًا، لاعتدناه حتى الملل. لكن لأننا نعرف أنه سيغيب، نصبح أكثر حرصًا على التمتع به حين يحضر. وربما لهذا السبب كان الشعراء يصفون المحبوب بالضياء أو بالبدر، ليدلوا على أن لحظة الجمال أشبه بلمعان، تُرى ولا تُمسك.

 

ويبقى السؤال معلّقًا: هل الهشاشة هي ما يجعل الضوء أجمل، أم أنها لعنة تلاحقه منذ ولادته الأولى؟ وهل نحن حين نتعلق بالأنوار، نبحث عن قوتها، أم عن ضعفها الذي يشبهنا؟ لعل الجواب لا يجيء بالكلمات، بل بالعيش نفسه، حين نتعلم أن نحتضن شعلة صغيرة في قلوبنا، ونتركها تنير الطريق ولو للحظة عابرة.

Originally posted 2025-08-19 15:23:08.

المقالات

قائد الأثر الاجتماعي لعام 2025

في كل محطة من محطات الحياة، هناك لحظات لا تُقاس بحجمها الزمني، بل بما تتركه في القلب من أثر ومعنى. ومن بين تلك اللحظات التي أعتز بها أيّما اعتزاز، حصولي على شهادة قائد الأثر الاجتماعي لعام 2025 من المركز العربي الأوروبي لحقوق الإنسان والقانون الدولي (AECHRIL) في مملكة النرويج، تزامناً مع اليوم العالمي لحقوق الإنسان الذي يحتفل به العالم في العاشر من ديسمبر من كل عام.

هذا التكريم بالنسبة لي ليس مجرّد شهادة أعلقها على الجدار، بل هو رسالة ومسؤولية وتجديد عهد مع الإنسان، قبل أي شيء آخر.

 

معنى هذا التكريم بالنسبة لي

حين أُبلغت بهذا الاختيار، عادت إلى ذهني كل الوجوه التي قابلتها في مسيرة العمل الإنساني والاجتماعي:
وجوه المحتاجين، والأسر المتعففة، وذوي الإعاقة، وكبار السن، والأطفال الذين ينتظرون فرصة أمل، والشباب الباحثين عن من يثق بقدرتهم. أدركت أن هذا التكريم في جوهره هو لهم، ولأجلهم، ومن أجل كل قضية عملنا عليها بدافع الإيمان بأن للإنسان كرامة لا تُمس، وحقاً في الحياة الكريمة لا يُساوَم عليه.

لقد جاء نص خطاب المركز العربي الأوروبي ليعبّر بدقة عن جوهر الرسالة التي أحاول أن ألتزم بها في عملي:
تحويل التعاطف إلى فعل، وتحويل التحديات إلى فرص للأمل والحماية والتغيير الإيجابي، والإيمان بأن العدالة والتضامن والقيادة المسؤولة ليست شعارات، بل ممارسات يومية تُترجم في برامج ومبادرات وقرارات.

 

من التعاطف إلى العمل

منذ بداية مسيرتي في العمل الإنساني والاجتماعي، كنت أرى أن كل فكرة نبيلة لا تتحول إلى مشروع أو مبادرة أو خطة عمل، تبقى حبيسة النوايا الطيبة. لذلك حاولت دائماً أن أربط بين الحس الإنساني وبين التخطيط المؤسسي والعمل المنظم، لأن الاستدامة لا تتحقق بالعواطف وحدها، بل بالمنهج والرؤية والعمل الجماعي.

عملنا، ولله الحمد، في مجالات متعددة:

  • دعم الفئات الأكثر عرضة للهشاشة الاجتماعية.
  • تمكين الأفراد والأسر من الاعتماد على الذات قدر الإمكان.
  • نشر ثقافة المسؤولية المجتمعية والشراكة بين القطاعين العام والخاص والمجتمع المدني.
  • تعزيز قيم التسامح، والتعايش، واحترام الإنسان مهما كان دينه أو جنسه أو خلفيته.

كل مبادرة، صغيرة كانت أو كبيرة، كنت أتعامل معها على أنها فرصة جديدة لصناعة فرق حقيقي في حياة شخص أو أسرة أو مجتمع محلي، لأن الأثر الاجتماعي لا يُقاس دائماً بالأرقام الكبيرة، بل أحياناً بابتسامة شخص واحد شعر أن هناك من يلتفت إليه ويهتم لأجله.

 

الارتباط باليوم العالمي لحقوق الإنسان

من دلالات هذا التكريم أنه جاء في اليوم العالمي لحقوق الإنسان؛ اليوم الذي يذكّر العالم بأن كرامة الإنسان هي الأساس الذي تُبنى عليه المجتمعات السليمة.

أومن أن حقوق الإنسان ليست خطاباً سياسياً ولا موضوعاً قانونياً فقط، بل هي ثقافة حياة. عندما نحفظ حق الطفل في التعليم، وحق المريض في العلاج، وحق الضعيف في الحماية، وحق كل إنسان في أن يُعامل باحترام؛ فنحن لا نطبّق مواد قانونية فحسب، بل نبني مجتمعاً أكثر تماسكاً وأمناً واستقراراً.

ولهذا أرى أن العمل الإنساني هو الوجه العملي لحقوق الإنسان، وأن كل مبادرة اجتماعية صادقة هي في جوهرها دفاع عن حق، أو صون لكرامة، أو حماية لإنسان من الوقوع في الهشاشة أو التهميش.

 

المسؤولية التي يحمّلها لي هذا اللقب

أن تُمنح لقب قائد الأثر الاجتماعي يعني أن الآخرين رأوا في مسيرتك أثراً واضحاً، ولكن الأهم بالنسبة لي هو ما يترتب على هذا اللقب من مسؤولية مضاعفة:

أولاً:
أن أستمر في العمل بنفس الحماس والالتزام، بل بروح أكبر، لأن من يكرّمه المجتمع أو المؤسسات الإنسانية لا يملك رفاهية التراجع أو الاكتفاء بما تحقق.

ثانياً:
أن أكون قدوة، قدر المستطاع، لكل شاب وشابة يؤمنون بأن العمل الإنساني يمكن أن يكون مسار حياة، لا مجرد عمل تطوعي عابر. أريد أن أقول لهم من خلال هذه التجربة: يمكن للإنسان أن يجمع بين التميز المهني وبين العطاء المجتمعي، وأن يترك بصمته في مجتمعه مهما كانت إمكاناته.

ثالثاً:
أن أواصل بناء الشراكات وتوسيع دائرة التأثير، لأن الأثر الاجتماعي الحقيقي لا يصنعه فرد بمفرده، بل تصنعه فرق عمل ومؤسسات متعاونة وشبكات من المتطوعين والمؤمنين بالرسالة ذاتها.

 

شكر وعرفان

أتوجّه بخالص الشكر والتقدير إلى المركز العربي الأوروبي لحقوق الإنسان والقانون الدولي (AECHRIL) في مملكة النرويج، على هذه الثقة العزيزة على قلبي، وعلى ما يقوم به من جهود رفيعة المستوى في نشر ثقافة حقوق الإنسان وتعزيز العمل الإنساني على المستويين العربي والأوروبي.

كما أتوجّه بالشكر لكل من وقف معي في هذه المسيرة:
أسرتي التي كانت دائماً السند الروحي والمعنوي، وزملائي وشركائي في مختلف المؤسسات والهيئات، وكل متطوع شارك في مبادرة، أو قدّم ساعة من وقته لخدمة إنسان محتاج. هؤلاء جميعاً شركاء حقيقيون في هذا التكريم، ولولاهم لما تحقّق شيء مما نفاخر به اليوم.

 

عهد للمستقبل

أكتب هذه السطور على موقعي الشخصي ليس من باب الاحتفاء بالتكريم ذاته، بل من باب توثيق عهد أجدد نفسي عليه أمام الله وأمام المجتمع:

أن أظل متمسكاً برسالة العمل الإنساني والاجتماعي، وأن أبقى صوتاً مدافعاً عن كرامة الإنسان وحقوقه، وأن أواصل السعي إلى بناء مبادرات ومشاريع تترك أثراً حقيقياً ومستداماً في حياة الناس، وأن أستثمر كل خبرة وفرصة وعلاقة من أجل خدمة قضايا الإنسان أينما كان.

قد تتغير الأدوات والآليات بتغيّر الزمن والتقنيات، لكن ستبقى البوصلة واحدة: الإنسان أولاً.

 

وفي الختام، أدعو كل من يقرأ هذه الكلمات إلى أن يجعل لنفسه نصيباً من الأثر الاجتماعي، أيّاً كان مجاله أو مهنته أو موقعه؛ فالعالم اليوم يحتاج إلى مزيد من الإنسانية، وإلى قلوب تؤمن بأن العطاء لا ينقص، بل يزيد صاحبه قيمة وكرامة وطمأنينة.

د. خالد السلامي
قائد الأثر الاجتماعي لعام 2025

 

Originally posted 2025-12-10 18:35:28.

المقالات

ضجيج بلا صوت

قد يجد الإنسان نفسه في مكان هادئ تمامًا، بعيد عن الفوضى، بلا أصوات مزعجة، بلا إزعاج حقيقي… ومع ذلك يشعر بثقل داخلي لا يمكن تجاهله. إحساس مبهم، غير محدد، لكنه حاضر بقوة. كأن هناك حركة مستمرة داخل العقل، لا تتوقف، ولا تهدأ، ولا تمنح صاحبها فرصة للسكينة الكاملة.

هذا الضجيج لا يأتي على شكل فكرة واحدة واضحة، بل هو تداخل مستمر لعدة طبقات: أفكار قديمة لم تُحسم، مواقف لم تُغلق، حوارات لم تكتمل، وأسئلة لم تجد طريقها للإجابة. كل ذلك يتحرك في الداخل دون ترتيب، وكأن العقل يعمل دون نظام إيقاف.

في كثير من الأحيان، لا يكون هذا الضجيج مرتبطًا بحزن واضح أو مشكلة كبيرة. بل قد يظهر في أكثر الأيام عادية، في لحظات لا يُفترض أن تكون ثقيلة. وهذا ما يجعله أكثر تعقيدًا؛ لأنه لا يمنح الإنسان سببًا واضحًا لما يشعر به، ولا يتيح له تبريرًا مقنعًا.

وهنا يبدأ الإرباك.

كيف يمكن أن تكون متعبًا دون سبب؟ كيف تشرح شعورًا لا يمكن تحديده؟ كيف تقول إنك لست بخير، دون أن تمتلك قصة واضحة تدعم هذا الشعور؟

في هذه الحالة، غالبًا ما يختار الإنسان الصمت. ليس لأنه لا يريد الحديث، بل لأنه لا يعرف كيف يبدأ. الكلمات تبدو غير كافية، أو غير دقيقة، أو ربما غير مفهومة للآخرين. فيتحول الضجيج الداخلي إلى تجربة فردية صامتة، لا يشاركها أحد.

 

من الخارج، يبدو كل شيء طبيعيًا.

الإنسان يؤدي دوره اليومي: يعمل، يتحدث، يبتسم، يتفاعل. لا شيء ملفت. لا شيء يدعو للقلق. لكنه في الداخل يعيش حالة مختلفة تمامًا. هناك تفكير زائد، مراجعة مستمرة لكل التفاصيل، تحليل لما قيل وما لم يُقل، واستحضار لمواقف انتهت منذ زمن.

هذا النوع من النشاط الداخلي المستمر يستهلك طاقة كبيرة، دون أن يظهر أثره بوضوح. ولذلك، يشعر الإنسان بالإرهاق دون أن يفهم السبب الحقيقي. هو ليس تعبًا جسديًا، ولا ضغطًا مباشرًا، بل نوع من الاستنزاف الصامت.

في كثير من الأحيان، يكون هذا الضجيج نتيجة “الاستمرار” أكثر من كونه نتيجة “حدث“.

الاستمرار في التفكير، الاستمرار في التكيّف، الاستمرار في محاولة الفهم، الاستمرار في احتواء المشاعر. هذه العمليات، عندما تتراكم دون توقف حقيقي، تتحول إلى عبء غير مرئي.

ومع مرور الوقت، يصبح هذا النمط هو الحالة الطبيعية. لا يعود الإنسان يتذكر كيف يبدو الهدوء الداخلي الحقيقي، لأن الضجيج أصبح جزءًا من الإيقاع اليومي.

المفارقة أن الإنسان، في هذه الحالة، يبدأ بالبحث عن وسائل للهروب من هذا الضجيج. لكنه لا يهرب بطريقة مباشرة، بل يلجأ إلى أشكال بسيطة من الانشغال:

تصفح مستمر،
انشغال دائم،
حديث سطحي،
ملء الفراغ بأي شيء ممكن.

ليس لأن هذه الأشياء مهمة، بل لأنها تؤجل المواجهة.

لكن الضجيج لا يختفي.

هو فقط ينتظر.

يعود في أول لحظة هدوء حقيقي، في أول مساحة فارغة، في اللحظة التي يتوقف فيها التشتيت.

وهنا تظهر نقطة مهمة: نحن لا نخاف من الضجيج بقدر ما نخاف من مواجهته.

لأن المواجهة تعني التوقف، والتوقف يعني الإنصات، والإنصات يعني رؤية ما كنا نتجاهله. وهذا ليس دائمًا مريحًا.

لذلك، يصبح الهدوء نفسه مصدر قلق.

ليس لأنه سيء، بل لأنه يكشف.

لكن، ماذا لو لم يكن الهدف هو إيقاف هذا الضجيج؟

ماذا لو لم يكن المطلوب هو السيطرة عليه بالكامل، بل فهمه تدريجيًا؟

الضجيج الداخلي، في كثير من الأحيان، ليس عدوًا. هو إشارة. محاولة غير منظمة لفهم شيء أعمق. محاولة لترتيب ما لم يُرتب، أو معالجة ما تم تأجيله.

لكن المشكلة أنه لا يملك لغة واضحة.

التعامل مع هذا الضجيج لا يكون دائمًا بالحسم أو الحلول السريعة. أحيانًا، يكفي أن يتغير شكل العلاقة معه.

أن نكفّ عن مقاومته المستمرة،
أن نسمح له بالمرور دون تضخيم،
أن ندرك أن ليس كل فكرة تحتاج إجابة،
ولا كل شعور يحتاج تفسيرًا فوريًا.

هذا النوع من القبول لا يُنهي الضجيج فورًا، لكنه يخفف حدّته.

مع الوقت، يبدأ شيء مختلف في الحدوث.

ليس اختفاءً كاملًا للضجيج، بل تحوّلًا في طبيعته. يصبح أقل حدة، أقل إلحاحًا، وأقرب إلى الخلفية بدل أن يكون في الواجهة.

والسبب ليس أن كل شيء قد تم حله، بل لأن الإنسان لم يعد خائفًا منه كما كان.

الضجيج الداخلي بلا صوت ليس علامة خلل دائمًا.

أحيانًا، هو دليل على أن الإنسان يعيش بوعي، يفكر، يشعر، ويحاول فهم نفسه والعالم من حوله. لكنه يحتاج إلى توازن، إلى مساحات حقيقية من التوقف، إلى لحظات لا يُطلب فيها منه أن يكون منتجًا أو متماسكًا.

وفي النهاية،

ربما لا نحتاج أن نُسكت هذا الضجيج بالكامل،

بل أن نتعلم كيف نصغي له…

دون أن نغرق فيه،

ودون أن نهرب منه.

ويبقى السؤال قائمًا:

هل الضجيج في داخلنا مشكلة يجب حلها…

أم رسالة تنتظر أن نفهمها؟

 

المقالات

بين الصمت والكلمة

يُقال إن للكلمة نورًا يكشف خبايا القلوب، ولكن للصمت أيضًا لغةً خفيةً تُفصحُ عمّا تعجزُ عنه الكلمات. في مساحة التفاعل المتوتّرة بين الصمت والكلمة يتأرجح الفكر والوجدان، باحثَيْن عن الحقيقة والمعنى. وبين هدوء الصمت وسحر الكلام رحلةٌ تتخلّلها حكمةُ الحكماء وأبياتُ الشعراء وهمساتُ الروح. فأين تنتهي حدود الصمت، وأين تبدأ سلطة الكلمة؟

بلاغة الصمت وفلسفته

للصمت بلاغة لا يدركها إلا من تأمّل لحظات الهدوء العميق. كثيرًا ما يكون الصمتُ في ذاته كلامًا، لكنه كلامٌ بين السطور الخفيّة. يقول أحد الأمثال العربية إن “في كثرةِ الصمتِ تكونُ الهيبة، ففي الصمت وقارٌ يكسو صاحبه بهالةٍ من الاحترام. ولعلهم شبّهوا الكلام بالفضة والصمت بالذهب حين قالوا: “إذا كان الكلام من فضة فالسكوت من ذهب، في إشارة إلى قيمة الصمت حين يفوقُ الكلامَ فائدةً وحكمةً. وقد عبّر الإمام علي بن أبي طالب عن هذه المفاضلة شعرًا:

إن كان منطِقُ ناطقٍ من فضةٍ
فالصمتُ دُرٌّ زانَه الياقوتُ

في هذين البيتين تصويرٌ بليغٌ لحقيقةٍ يدركها العقلاء: بريق الكلام مهما لمع قد يخبو أمام لمعان الصمت حين يكون في محله. فكثير من الحكماء عبروا عن فضل الصمت ولزومه. يُروى عن بعضهم قوله: “ما أكثرَ من ندم على ما قال، وأقلَّ من ندم على ما سكت. وكأنما جُعل للإنسان أذنان وفمٌ واحدٌ ليصغي أكثر مما يتكلم؛ فالكلمة متى نُطقت أصبحت تملك صاحبها وتأسره، أما إن ظلَّت حبيسة صدره فهو مالك زمامها وقادر على التحكّم بها. من أجل ذلك قيل أيضًا: “الصمت ليس فارغًا، الصمت مليءٌ بالأجوبة؛ فسكوت المرء قد يكون حافلًا بالمعاني والحلول حتى وإن بدا ظاهره صمتًا.

تتجلى لغة الصمت في مواقف شتّى: تأمّل مثلًا أمًّا تحدّق في طفلها النائم بصمتٍ يفيض حبًا وامتنانًا، أو صديقين يجلسان بهدوء تحت سماء الليل كلٌّ منهما يفهم الآخر بلا حاجةٍ إلى حديث. في مثل هذه اللحظات قد يصدق المثل القائل إن الصمت أبلغ من الكلام؛ حين تعجز الشفاه وتتكلم العيون والقلوب. وليس الصمت حكمةً في أوقات السكينة فحسب، بل قد يكون ملاذًا أيضًا عند فورة المشاعر. فكم من مرة عجزت الكلمات عن مواساة قلبٍ مثقلٍ بالألم، وكان الصمتُ وحده القادر على ذلك؛ وكم من إنسانٍ آثر الصمت على البوح بما في داخله، إما لأن عمق الشعور أكبر من أن يُقال، أو لأن الكلمة قد تبدو سطحية أمام فيضان الوجدان. هكذا يصبح الصمت في جانبٍ منه صوتًا للمشاعر حين يخونها التعبير.

سحر الكلمة ومسؤوليتها

على الجانب الآخر، لا شك أن للكلمة سلطانًا عظيمًا لا يقل أثرًا عن الصمت. فالكلمة بصيص نورٍ يبدّد ظلام الصمت حين ينطق الإنسان بما في خاطره. بالكلمات نعبر عمّا يجول في الفكر، وبها نتواصل ونواسي وننصح. لقد خُصَّ الإنسان بمنحة النطق فتميّز بها عن غيره، وجعلت منه قادرًا على التعليم والتأثير. فكلمة صادقة قد تبني جسورًا بين القلوب، وتداوي جرحًا غائرًا، وتنشر حقًا أو علمًا ينتفع به الناس. وكيف لا، وقد خُصّت أعظم الرسالات السماوية بكلمة تنزلت فرقانًا وبيانًا لإخراج الناس من الظلمات إلى النور. إن للكلمات سحرًا حقيقيًا؛ فهي القادرة على إحياء الأمل في نفسٍ يائسة، والقادرة على إشعال الحماس في روح خامدة، بل وقادرة على تغيير مسار الأمم بأسرها عندما تُحمل لواءَ حقٍ وعدل.

بيد أن هذه القوة نفسها تجعل الكلمة سلاحًا ذا حدَّين. فإن كانت كلمة طيبة كالشجرة المثمرة تؤتي أُكلها كل حين، فالكلمة الخبيثة كالنار في الهشيم تحرق وتدمّر في لحظة. لسان الإنسان سيفٌ قاطع؛ إن صانه المرء صانه كما تقول الحكمة: “لسانك حصانك إن صُنتَه صانك وإن خُنتَه خانك. فكثيرًا ما جرحت كلمةٌ جارحة قلبًا أقربَ من حبل الوريد، وأشعلت لفظةٌ طائشة نارَ فتنةٍ وعداوة. وقد تناقل الشعراء قديمًا حكمةً مؤداها أن جراح اللسان أشدُّ إيلامًا وبقاءً من جراح السنان. يقول يعقوب الحمدوني في بيت بليغ:

وَجُرحُ السيفِ تُدْمِلُهُ فيَبْرَأُ
ولا يَلْتامُ ما جَرَحَ اللسانُ
جراحاتُ الطِّعانِ لها التئامٌ
ولا يَلْتامُ ما جَرَحَ اللسانُ

إن الكلمات التي نطلقها لا يمكن استعادتها أو محوُ أثرها بسهولة؛ لذا تستوجب منّا مسؤوليةً كبرى في استعمالها. فكلمة الحق قد ترفع صاحبها إلى مراتب النبل والشجاعة، بينما كلمة الباطل قد تهوي به في دركات الندم. وكما قيل قديمًا: “مقتلُ الرجل بين فكَّيه!في إشارة إلى أن اللسان قد يكون سبب هلاك صاحبه إن لم يُحسن استخدامه. وقد اجتمع عقلاء الملوك على كلمات خالدة تتصل بهذا المعنى، فروي أن كسرى قال: “أنا على ردِّ ما لم أقل أقدرُ مني على ردِّ ما قلت”، وقال ملكُ الهند: “إذا تكلَّمتَ بالكلمة ملكَتكَ، وإن لم تتكلّم بها ملكتَها”، وقال قيصر: “ما ندمتُ على سكوتٍ قطّ، ولقد ندمتُ على الكلام مرارًا”، وفي هذا تلخيصٌ لتجارب إنسانية أدركت قيمة تحكيم العقل قبل إطلاق العنان للسان. من أجل ذلك كان السكوت في كثير من الأحيان خيرًا من كلامٍ بلا فائدة، وكان الكلام في مواضع أخرى خيرًا من صمتٍ جبان.

بين الصمت والكلام: توازن الحكمة

ليس الصمت فضيلةً في كل حين، ولا الكلمة رذيلةً في كل مقام. التحدي الإنساني يكمن في معرفة متى يكون الصمتُ حكمةً ومتى تكون الكلمةُ ضرورةً. وقد لخّص أحد الحكماء هذا التوازن بقوله: “لا تتكلم إذا وجب عليك السكوت، ولا تسكت إذا وجب عليك الكلام. فهناك مواقف يصير فيها السكوتُ من ذهب حين يكون الكلام شرًا أو لغوًا لا طائل منه، وهناك أوقات يصبح فيها الكلامُ من ذهب حين يكون قولُ الحق لازمًا وإسكات صوت الظلم واجبًا. نجد في تراثنا قاعدةً نبوية ذهبية ترسم هذا الميزان بدقّة، إذ قال رسول الله محمد ﷺ: “من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليقل خيرًا أو ليصمت. هذه الكلمات النبوية تجمع جوهر الحكمة كلها في اختيار التوقيت المناسب للكلام: فإن لم تكن الكلمة خيرًا يُنتفع به، فالصمتُ أولى وأحفظُ للسان والوجدان.

إن التفاعل بين الصمت والكلام معادلة دقيقة تتطلّب فهمًا عميقًا للسياق وللنفس معًا. فالصمت في موضعه قد يكون أبلغ ردٍ وأقوى موقف. يقولون: “هناك أسئلة لا يجاب عنها إلا بالسكوت، إذ قد يكون الصمت في بعض المواقف أبلغ تعبير عن الاستياء أو الحكمة أو حتى الحب حين تعجز الكلمات. وفي المقابل، الكلمة في موضعها سيفٌ للعدل وبلسمٌ للروح. كم من صمتٍ طال تفسيره رضًا وهو في حقيقته ألمٌ مكتوم؛ وكم من كلامٍ ظُنّ هجومًا وهو في جوهره صرخة استغاثة. الصمت قد يُفسَّر أحيانًا بالرضا كما تقول الحكمة “السكوت علامة الرضا، لكن ليس كل سكوت رضا بالضرورة؛ فقد يصمت المرء قهرًا أو خجلًا أو خوفًا. والكلام قد يبدو شجاعة، لكنه أحيانًا تهوّرٌ يندم عليه صاحبه. من أجل ذلك كله، يظلّ الإنسان بين صمته وكلامه معلقًا بحبلٍ من التأرجح المستمر، لا يملك سوى الحكمة والبصيرة ليرشداه في الاختيار.

قد يكون الصمت في حضرة الجمال خشوعًا وفي حضرة الألم دموعًا، وقد تكون الكلمة في وجه الظلم سيفًا وفي لحظة الحيرة نورًا. إننا نتعلم في مدرسة الحياة أنّ لكل مقامٍ مقالًا، ولكل سكوتٍ معنى. وبين همس الصمت وصخب الكلمات تتشكل إنسانيتنا وتُختبر حكمتنا. فأحيانًا نجد في الصمت سلامًا لعقولنا وضجيجًا لعواطفنا، وأحيانًا نجد في الكلام تنفيسًا عن مكنونات صدورنا وتواصلًا مع من حولنا. وبين هذا وذاك، تتراقص قلوبنا على إيقاع التردد: أَننطق فنبوح، أم نصمت فنحفظ ما في القلب؟

وفي النهاية، يبقى السؤال مفتوحًا: أيهما أبلغ في التعبير، صمتٌ عميق أم كلمة صادقة؟ هل نملك دائمًا حكمة الاختيار بينهما، أم أننا سنظل نتأرجح على حبال التردد بين سكون الروح وضجيج اللسان، نترقب الجواب في ذلك الفراغ المضيء بين الصمت والكلمة؟

Originally posted 2025-08-10 12:39:26.

المقالات

“المتطوّع الذهبي” أمانة قبل أن يكون تكريماً

حين وصلتني رسالة تكريمي من فريق “شكراً لعطائك التطوعي”، وبرئاسة فخرية من سعادة الشيخ الدكتور سالم بن ركاض العامري، وبإمضاء سعادة الأستاذ سيف الرحمن أمير رئيس الفريق، شعرت لوهلة أن الكلمات تضيق عن احتواء ما في القلب من امتنان ومسؤولية في آن واحد.

أن يُمنَح الإنسان لقب المتطوّع الذهبي ليس مجرد لحظة احتفاء عابرة، بل محطة عميقة تدفعه إلى أن يقف مع نفسه وقفة صدق:

ماذا قدّم؟ وماذا يمكن أن يقدّم بعد؟

تكريم عزيز… يلامس القلب والضمير

أعترف أن هذه الرسالة لم تكن بالنسبة لي مجرد إشعار بتكريم، بل كانت بمثابة رسالة تقدير ولمسة وفاء. أن أرى ثمرة مشاركة متواضعة في فعاليات شهر نوفمبر تتحول إلى هذا التكريم الكريم، فهذا فضل من الله أولاً، ثم من إخوة حملوا على عاتقهم مسؤولية نشر ثقافة التطوع والعطاء الجميل في مجتمعنا.

لقد اعتدت أن أنظر إلى كل مبادرة أشارك فيها على أنها واجب وطني وإنساني قبل أن تكون نشاطاً تطوعياً. لكن حين يأتي من يقول لك “شكراً لعطائك”، ويمنحك لقباً يحمل في حروفه الكثير من المعاني، تدرك أن ما تقوم به – مهما بدا بسيطاً – يمكن أن يترك أثراً، وأن هناك من يراقب هذا الأثر ويحتفي به.

متطوّع في كل بيت”… رؤية تبني مجتمعاً لا يكتفي بالكلام

من أكثر ما لامسني في رسالة الفريق، تلك الإشارة إلى رؤيتهم الجميلة: متطوّع في كل بيت.
هذه العبارة وحدها تستحق أن تكون عنواناً لحملة وطنية مستمرة، لأنها لا تخاطب فرداً بعينه، بل تخاطب الأسرة بأكملها، وتحوّل التطوع من سلوك فردي إلى ثقافة عائلية تنتقل من جيل إلى جيل.

حين أشارك في مبادرة، أو فعالية، أو برنامج تطوعي، أضع أمامي دائماً هذا السؤال:

كيف يمكن لهذه الخطوة أن تلهم شاباً، أو طفلاً، أو ربّ أسرة، ليجعل من العطاء جزءاً من حياته اليومية؟

أؤمن أن التطوع ليس مجرد ساعات تُسجَّل في رصيد أحدهم، بل هو روح تُزرَع في قلب المجتمع، فتنعكس على طريقة تعاملنا، وعلى قدرتنا على الوقوف إلى جانب من يحتاج إلى يد تمتد، أو كلمة تواسي، أو مساندة تلتقطه في لحظة تعب أو ضيق.

ماذا يعني لي لقب “المتطوّع الذهبي”؟

قد يتساءل البعض: ماذا يضيف لقب كهذا إلى مسيرة إنسان؟

بالنسبة لي، هذا اللقب ليس ميدالية تُعلَّق على الجدار أو يُلتقط معها صورة للذكرى؛ إنه في جوهره عهد جديد أمام نفسي وأمام ربي وأمام المجتمع.

هذا اللقب يذكّرني في كل مرة أقرأه أن هناك من وضع ثقته في التزامي بالعطاء، وأن كل خطوة قادمة يجب أن تكون على قدر هذه الثقة.

كما يحمّلني مسؤولية أن أكون – قدر استطاعتي – نموذجاً يحث الشباب على الانخراط في العمل التطوعي، لا بالكلام فقط، بل بالفعل والمشاركة الحقيقية.

أشعر أن هذا التكريم جاء ليقول لي بصوت واضح:

استمر… فطريق العطاء طويل، ولكن ثماره أطيب مما تتخيل.

من القلب إلى فريق “شكراً لعطائك التطوعي

لا يمكن أن أتحدث عن هذا التكريم دون أن أوجّه من القلب رسالة شكر وامتنان إلى فريق “شكراً لعطائك التطوعي”، قيادةً وأعضاءً.

إلى سعادة الشيخ الدكتور سالم بن ركاض العامري، الرئيس الفخري للفريق، أقول:

لقد أضفتم لهذا التكريم بوجودكم وبدعمكم بعداً خاصاً، يعكس اهتمامكم الكبير برسالة التطوع وقيمه الإنسانية.

وإلى سعادة الأستاذ سيف الرحمن أمير، رئيس الفريق، وكل فرد من هذا الفريق المبارك:

شكرًا لكل دقيقة قضيتموها في تنظيم فعالية، أو إعداد برنامج، أو دعم مبادرة، أو تكريم متطوع. أنتم تصنعون بيئة يعيش فيها المتطوع شعور الانتماء والتقدير، وهذا من أعظم ما يمكن أن يُقدَّم لمن يبذل وقته وجهده لوجه الله وخدمة المجتمع.

أنتم مدرسة في صناعة الأثر الإيجابي، ومثال على أن العمل التطوعي حين يُدار باحتراف، يمكن أن يصبح قوة تغيير حقيقية في المجتمع.

التطوع… جزء من هويتي الشخصية

على المستوى الشخصي، كنت دائماً أرى أن التطوع ليس نشاطاً جانبياً، بل هو جزء من هويتي التي أعتز بها.
حين أشارك في مبادرة، أشعر أنني أعيد اكتشاف نفسي.

أتعرف على طاقات جديدة في داخلي، ألتقي بأشخاص ملهمين، أرى قصصاً لا تُنسى، وأتعلم أن الإنسان مهما بلغ من منصب أو درجة علمية يبقى بحاجة إلى هذه اللحظات التي يقف فيها وجهاً لوجه أمام الواقع، أمام احتياجات الناس، وآمالهم البسيطة، وتطلعاتهم الصغيرة التي قد تغيّر حياتهم بأبسط مبادرة.

التطوع يعلّمنا التواضع قبل أي شيء آخر، ويذكّرنا بأن قيمتنا الحقيقية ليست بما نملك، بل بما نعطي.

 

عهد جديد مع كل لقب جديد

اليوم، وأنا أكتب هذه السطور على موقعي الشخصي، أجدّد عهدي لنفسي وللمجتمع بأن يكون لقب المتطوّع الذهبي منطلقاً لمزيد من العمل لا محطة توقف.

سأظل بإذن الله حاضراً حيثما دعت الحاجة إلى كلمة، أو مشاركة، أو دعم معنوي أو ميداني، وسأحرص على أن أكون إلى جانب كل مبادرة صادقة تسعى لصناعة فرق حقيقي في حياة الناس.

وآمل بكل صدق أن أسهم، ولو بجزء يسير، في تحقيق رؤية أن يصبح في كل بيت متطوّع، وأن تتحول ثقافة العطاء إلى مكوّن أساسي في شخصيتنا الوطنية والإنسانية.

في الختام، أتقدّم مجدداً بأسمى آيات الشكر والتقدير لكل من كان وراء هذه اللفتة الكريمة، سائلاً المولى عز وجل أن يوفّقنا جميعاً لمزيد من البذل والعطاء، وأن يحفظ دولتنا الحبيبة وقيادتنا الرشيدة، وأن يجعل أعمالنا خالصة لوجهه الكريم، نافعة لوطننا ومجتمعنا.

Originally posted 2025-12-06 21:24:38.

المقالات

منتدى روح الاتحاد.

تقدّم بوافر الشكر والتقدير إلى الدكتورة راية خميس المحرزي على دعوتها الكريمة لاستضافة منتدى روح الاتحاد. ويشرّفني أن أكون ضمن هذا الحدث الوطني الرفيع، الذي يجمع القامات المجتمعية وصنّاع المبادرات، ويعكس إدراكًا عميقًا بأهمية تعزيز الهوية الوطنية وترسيخ قيم الاتحاد في نفوس أبناء الوطن.

إن مشاركتي في هذا المنتدى تأتي انطلاقًا من مسؤولية وطنية أعتز بحملها، ومكانة مجتمعية أتشرف بصونها، وتأثير أسعى من خلاله إلى دعم المبادرات الهادفة، وتوجيه الوعي، وتعزيز الحضور الوطني في كل ميدان.
وحضوري في هذه المحافل يأتي بصفتي أحد الأصوات المؤثرة في الشأن المجتمعي؛ حضورٌ لا يكتفي بالمشاركة، بل يسهم في دفع المبادرات، وتوسيع أثرها، وتقديم ما يليق بوطنٍ يستحق منا الكثير.

وإذ أؤكد مشاركتي في هذا المنتدى المرموق، فإنني أجدد العهد بأن أظل في مقدّمة الداعمين للمبادرات الوطنية التي تُعلي قيم الاتحاد، وتُسهم في بناء مجتمعٍ واعٍ، موحّد، ومخلص لهذه الأرض الطيبة.

كل الشكر والامتنان للدكتورة راية على هذا التنظيم المتقن، وعلى جهودها المشهودة في صناعة مبادرات تحمل رسالة وطنية صادقة وتترك أثرًا ملموسًا في المجتمع.

ودامت الإمارات شامخة بمبادرات أهلها… ودام الاتحاد نبضًا يجمعنا ويقودنا نحو مستقبلٍ أكثر إشراقًا.

#رايه_المحرزي
#الدكتور_خالد_السلامي
#روح_الاتحاد
#منتدى_روح_الاتحاد
#قادة_المجتمع
#التأثير_المجتمعي
#قيم_الاتحاد
#الإمارات
#مبادرات_مجتمعية

Originally posted 2025-11-28 19:59:07.

المقالات

ظلّ الأشياء الغائبة

لا يجيء الغياب صامتًا كما نتوهم. للغياب لغة خفية، لا تُكتب بحروف ولا تُسمع بأذن، لكنه يترك خلفه أثرًا يشبه الظلال الممدودة في آخر النهار. كل ما يغيب عنّا يترك نسخة غير مرئية من نفسه، نسخة أخفّ وزنًا لكنها أثقل على الروح. هذا الأثر الصامت يرافقنا في الطرقات، يطلّ علينا من بين الفراغات التي لم نعد نملؤها، ويجلس معنا في الغرف التي فقدت أصواتها.

الغياب ليس اختفاءً كاملًا، بل حضور من نوع آخر، حضور بلا جسد. أحيانًا يكون أثره أشد من أثر الحضور نفسه. حين يغيب الشيء أو الشخص أو اللحظة، يتضاعف حضوره داخلنا. يتحول إلى فكرة تتجول في الصدر بلا استئذان، إلى صدى يتردد في الذاكرة عند أقل محفز، إلى إحساسٍ يلاحقنا بين نوم ويقظة. في كل غياب اختبار لقدرتنا على الإصغاء لما وراء الصمت، ولما لا تقوله الحياة صراحةً.

ثمة ظلّ لكل ما نفتقده. هذا الظل لا يراه الآخرون، لكنه يتبعنا نحن وحدنا. يظهر في الأوقات غير المتوقعة، حين نمرّ بمكان مألوف أو نستمع إلى لحن قديم أو نشمّ رائحة كانت مألوفة في زمن مضى. الظلّ يتجول معنا بين الطرقات، يشاركنا لحظات السكون، ويذكّرنا بما كان هنا ثم مضى. إنه يترك شقوقًا صغيرة في اليوم العادي، شقوقًا يتسرّب منها الضوء أحيانًا… وأحيانًا يتسرّب منها الحنين.

مع مرور الوقت، نتعلّم أن نتعايش مع هذا الظل. لا نطرده، لأنه جزء من الذاكرة والروح. ولا نسمح له أن يبتلعنا بالكامل. فقط نتركه يشاركنا صمتنا ونمضي. الغياب معلم صامت: يعلّمنا أن الأشياء لا تُمتلك حقًا، وأن ما نراه ثابتًا قد يتحول إلى ذكرى في لحظة خاطفة. كل غياب يترك درسًا غير معلن: أن الحياة مؤقتة، وأن كل حضور معرض لأن يصبح غيابًا، وكل اكتمال يمكن أن ينقلب إلى فراغ.

الظلّ الذي يخلّفه الغياب له طبيعة مزدوجة. هو في الوقت نفسه ثقيل وخفيف. ثقيل لأنه يضغط على القلب في لحظات الوحدة، وخفيف لأنه لا يُمسك باليد ولا يُقاس بالعين. هذا الظلّ يرافقنا إلى أماكن لم نخطط للذهاب إليها، يظهر فجأة في منتصف الطريق، على كرسي فارغ في مطعم مزدحم، في مقعد جانبي في سيارة أجرة، أو في صدى صوت بين جدارين. إنه يذكّرنا بما نفتقده دون أن يتكلم، ويمتحن صبرنا على الحياة كما هي.

أحيانًا، يتحول هذا الظلّ إلى محفّز للتأمل. يجعلنا نعيد النظر في ترتيب أولوياتنا، في معنى الامتلاك والفقد، في طبيعة الوقت الذي نظنه طويلًا وهو في الحقيقة قصير. الغياب يمنحنا وعيًا مختلفًا: وعيًا يلتقط التفاصيل الصغيرة التي كنا نتجاهلها في زحمة الحضور. نكتشف أن الحياة الحقيقية ليست فقط فيما نملكه، بل أيضًا فيما نفتقده وما نشتاق إليه. الغياب يعيدنا إلى الداخل، إلى مساحة هادئة حيث يمكننا أن نسمع أنفسنا بوضوح.

في لحظات الليل الهادئ، يصبح ظلّ الغياب أكثر وضوحًا. حين تسكن الأصوات وتخفت الحركة، تبدأ الذاكرة في استعادة صورها. الأشياء الغائبة تتحول إلى حضور داخلي مكثّف، كأنها تجلس معنا في الغرفة نفسها، ولكن على بعد خطوة من الإدراك الحسي. هذه اللحظات تكشف لنا هشاشتنا كبشر، وتجعلنا ندرك أن معظم حياتنا الداخلية مشدودة بخيوط غير مرئية إلى ما ليس موجودًا أمامنا.

والمفارقة أن هذا الظلّ لا يختفي أبدًا تمامًا. قد يخف حضوره حين ننشغل بالحياة اليومية، لكنه يعود في أوقات السكون أو أثناء لحظات الانكسار والحنين. إنه يشبه صفحة ماء ساكنة تعكس وجوه الغائبين والأشياء التي تركت أثرها فينا. وكلما حاولنا تجاهله، عاد إلينا بشكل آخر: في حلم عابر، في ذكرى غير مكتملة، في شعور غامض يضغط على القلب دون سبب واضح.

مع الوقت، يتغير موقفنا من هذا الظلّ. في البداية نقاومه، نحاول نسيانه أو التظاهر بعدم وجوده. ثم نصل إلى مرحلة القبول، حيث ندرك أن الغياب جزء من حياتنا مثل الحضور تمامًا. نتعلم أن نترك للظلّ مكانه في ركن هادئ من القلب، دون أن نسمح له بأن يسيطر على كل شيء. هذا القبول ليس استسلامًا، بل هو نضج عاطفي. هو وعي بأن الإنسان لا يمكنه أن يملأ كل الفراغات، وأن بعض النقص سيبقى دائمًا جزءًا من التجربة الإنسانية.

الفلاسفة والمفكرون تحدثوا كثيرًا عن قيمة الغياب في تشكيل الوعي الإنساني. فالحياة ليست فقط بما نملكه أو نعيشه، بل أيضًا بما نفتقده وما يغيب عنا. الحنين، وهو الوجه الشعوري للغياب، قد يكون دافعًا للإبداع والتأمل والفهم الأعمق للذات. كل لحظة فقد تعلمنا درسًا جديدًا عن أنفسنا وعن الآخرين. كل غياب يكشف لنا هشاشتنا، لكنه أيضًا يمنحنا فرصة لنصبح أكثر رحمة وتعاطفًا مع من حولنا.

في النهاية، يبقى السؤال معلّقًا: هل نحن من يلاحق ظلّ الأشياء الغائبة، أم أنّها هي التي تلاحقنا في أعماقنا؟ هل نحن من نصنع هذا الظل بذاكرتنا وحنيننا، أم أن الحياة نفسها تترك فينا آثارها كما تترك الريح تموجات على سطح الرمال؟ لا أحد يجيب بشكل نهائي. وربما لا حاجة للإجابة أصلًا. يكفي أن نتأمل هذا الظل ونتركه يمرّ فينا بهدوء.

الظلّ يلمحنا أحيانًا، ونحن نلمحه دائمًا. نتصالح معه حين نفهم أن الحياة خليط من الحضور والغياب، من الامتلاء والفراغ، من الأشياء التي بين أيدينا والأشياء التي افلتت منا. وكلما تعلّمنا التعايش مع ظلّ الأشياء الغائبة، صرنا أكثر قدرة على الاستمتاع بما هو حاضر، وأكثر استعدادًا لتقبّل ما سيغيب لاحقًا. وهذا، في حد ذاته، حكمة تحتاج عمرًا كاملًا لاستيعابها.

Originally posted 2025-08-01 10:07:09.