25 Dec 2025
المقالات
يوم المرأة الإماراتية 2025
في الثامن والعشرين من أغسطس، تتوهّج الإمارات بلون واحد لا يبهت: لون العطاء. يوم المرأة الإماراتية ليس مجرد تاريخ على الرزنامة؛ بل هو مرآة خمسين عاماً من العمل المتّصل، من الأبواب التي فُتحت والأحلام التي كبرت، من طفلةٍ أمسكت يد أمّها في مجلس صغير لتسمع حكايات الجدّات، إلى وزيرةٍ وعالِمةٍ وقاضيةٍ ورائدة فضاء.
جذور الحكاية… من فكرة إلى مؤسسة ثم إلى يومٍ وطني
لم تولد قصة المرأة الإماراتية في فراغ. تعود البدايات المؤسِّسة إلى سبعينيات القرن الماضي، حيث تشكّلت الرؤية الوطنية المبكّرة لوضع المرأة في صدارة التنمية. تأسيس الاتحاد النسائي العام عام 1975 كان لحظة تأسيس لآليةٍ وطنية تتكفّل بالتأطير، والحشد، والتدريب، وصياغة المبادرات. من هناك انطلقت عشرات البرامج، من محو الأمّية إلى التدريب المهني، ومن ورش حقوق الإنسان إلى منصّات المشاركة المجتمعية.
بعد أربعة عقود من العمل المنظّم، جاءت 2015 لتُعلن ولادة «يوم المرأة الإماراتية». لم يكن المقصود يوماً بروتوكولياً فحسب، بل مناسبة سنوية لتجديد العهد، ولعرض الحصيلة، ولضخّ جرعة إلهامٍ جديدة في شرايين المجتمع. في كل عام، يتبدّل الشعار وفق أولويات المرحلة: مرةً عنوانٌ يستنطق المستقبل، ومرةً عنوانٌ يراجع المنجز ويُعيد توزيعه على مساحاتٍ جديدة. وفي 2025، يصير العنوان مكثّفاً ودافئاً: «يداً بيد نحتفي بالخمسين» — احتفاءٌ بنصف قرن من العمل المؤسّسي، وتذكير بأن اليد الواحدة لا تصفّق.
الجميل في التجربة الإماراتية أن خطاب التمكين لم يتصادم مع الخصوصية الثقافية. لم تكن معركة «عقائد» بقدر ما كانت مفاوضة ذكيّة بين القيم: التقاليد بوصفها ذخيرة هوية، والحداثة باعتبارها أداة تحسين الحياة. هذه المزاوجة — وإن بدت للعين العجولة تناقضاً — هي سرّ السلاسة التي جرت بها التحولات.
الشعارات ليست زينة لغوية. «يداً بيد» تعني ثلاثة أمور على الأقل:
- شراكة مجتمعية فعلية: لا تمكين دون رجالٍ يؤمنون بالفكرة، ومؤسساتٍ تعيد تصميم سياساتها، وسوق عملٍ يلتقط الكفاءات بلا تحيّز.
- تراكم خبرة: خمسون عاماً ليست زمناً فقط؛ هي منهج. تجربةٌ تعلّمت من نجاحاتها وأخطائها، وتحوّلت من مبادراتٍ متفرّقة إلى سياساتٍ عامةٍ قابلة للقياس.
- بوصلة للمستقبل: في عامٍ وطني عنوانه «المجتمع»، يصير تمكين المرأة جزءاً من مشروع لُحمةٍ اجتماعية أوسع: لغة مشتركة، وفضاء مشترك، ومصير مشترك.
ولعلّ الأهم أن الشعار يحرّرنا من ثنائية «هو/هي». التحديات اليوم معقّدة: اقتصاد معرفي، تحوّل رقمي، استدامة وحياد مناخي، أسواق عمل مرنة. وهذه الملفات لا تُفتح ولا تُغلق إلا بـ«نحن».
التعليم… حين تصير المعرفة عادةً يومية
لنبدأ من الحاضنة الأولى: المدرسة والجامعة. في العقود الأخيرة، تكوّن مسارٌ واضح: حضورٌ نسائي متنامٍ في التعليم العالي، وتقدّم نوعي في حقول العلوم والتكنولوجيا والهندسة والرياضيات. لا يعود ذلك إلى عاملٍ واحد؛ بل إلى منظومةٍ متكاملة: منحٌ دراسية، سياسات قبول تشجّع التنوّع، بيئات جامعية آمنة، وشبكات خريجات تُسهّل الانتقال إلى سوق العمل.
من الفصل إلى المختبر
التحوّل الأبرز ليس في «عدد» المقاعد، بل في نوعية المسارات. ابنة اليوم لا تُدفع تلقائياً إلى تخصّصاتٍ نمطية. ستجدها في هندسة الفضاء، في الذكاء الاصطناعي، في علم البيانات، في الطاقات المتجددة. حين تتغيّر قائمة الأحلام، تتغيّر البلاد.
الحكاية من الداخل
تقول مهندسةٌ شابة — ولنذكرها بالأحرف الأولى «ن.أ.» حفاظاً على خصوصيتها — إن أول مختبر دخلته في عامها الجامعي الثاني كان أشبه بعالمٍ سحري. «كنت أظنّ أن الهندسة للرجال فقط. ثم اكتشفت أن الأسلاك لا تسأل عن النوع»، تقول ضاحكة. مثل هذه الحكايات الصغيرة، المتكررة في آلاف البيوت، هي الوقود الحقيقي لتحوّلاتٍ كبرى.
الاقتصاد وريادة الأعمال… من الوظيفة إلى صناعة الفرص
لا يكتمل الحديث عن التمكين دون الاقتصاد. في سنواتٍ قليلة نسبياً، انتقلت مشاركة المرأة من الهامش إلى القلب. في القطاعين العام والخاص، يتّسع الحضور، ويترقّى إلى مواقع القرار. والأهم: تزايد عدد رائدات الأعمال اللواتي أسسن شركاتٍ ناشئة في التقنية الخضراء، والخدمات الإبداعية، والاقتصاد المنزلي المنظَّم، وسلاسل القيمة الصغيرة والمتوسطة.
المشاركة السياسية والحوكمة
تاريخ المشاركة السياسية للمرأة الإماراتية لافتٌ في سرعته ونضجه. التمثيل في المجالس المنتخبة والمعيّنة، والحقائب الوزارية، ومجالس الإدارات، لم يعد ديكوراً. التجربة هنا بنت قواعدها: تأهيل، تمكين، ثم تكليف. هذا التسلسل يمنح المشاركة معنىً وفعالية. والنتيجة أن صوت المرأة صار جزءاً عضوياً من صناعة السياسات العامة، من التعليم والاقتصاد إلى البيئة والثقافة.
لأن السياسات التي لا ترى نصف المجتمع تضلّ الطريق. وجود المرأة في غرف صناعة القرار يزيد حساسية السياسات لقضايا الرعاية، والنقل العام، وسوق العمل المرن، ورأس المال البشري، والسلامة المجتمعية. ثم إن التعدّدية داخل مؤسسات الحكم تشجّع الابتكار والتوازن في تخصيص الموارد.
الصحة والرياضة… الجسد أيضاً مواطن
لنقلها ببساطة: لا تمكين بلا صحة. في السنوات الأخيرة تمدّدت الخدمات الصحية الوقائية، وبرامج الكشف المبكر، وصحّة الأم والطفل، والصحة النفسية. في الوقت نفسه، صعدت الثقافة الرياضية وسط النساء: الجري، ركوب الدراجات، الرياضات البحرية، واللياقة المجتمعية في الحدائق والمضامير. الرياضة هنا ليست ترفاً؛ هي لغةٌ جديدة للجسد، ثقةٌ بالنفس، وانخراطٌ في الفضاء العام بلا تردد.
قصة قصيرة من المضمار
تروي معلمة مدرسة أنها بدأت المشي نصف ساعة يومياً «هروباً» من ضغوط العمل، ثم وجدت نفسها تشارك في سباقات مجتمعية. «الطاقة التي يشحنني بها الركض لا تشبه شيئاً»، تقول. وحين سُئلت عن أثر ذلك على طالباتها، أجابت: «حين يرونني أعدو في الصباح، يعلمن أن الصحة ليست مقرراً دراسياً؛ هي أسلوب حياة».
الثقافة والفنون… سردية الصورة والنص والصوت
المرأة الإماراتية اليوم حاضرةٌ في معارض الفنون، في صالات السينما، على منصّات الأداء، وفي دور النشر ومختبرات التصميم. لا يُقصد بذلك التمثيل العددي، بل حضورٌ يصنع الذائقة العامة. من المصوّرة التي توثّق تحوّلات المدن، إلى المخرجة التي تُعيد طرح أسئلة الهوية، إلى الكاتبة التي تُجرب في جنسٍ أدبيّ جديد؛ تتكوّن مكتبةٌ بصريّة ونصيّة للأزمنة الإماراتية.
أثر ثقافي مضاعف
هذا الحضور لا يُغني المجال الثقافي وحده؛ إنه يعيد تعريف «العمل الإبداعي» بوصفه عملاً اقتصادياً أيضاً: سلاسل قيمة، وظائف، صادراتٍ ثقافية، وسياسات «قوة ناعمة» تمتدّ خارج الحدود. في ذلك، تُسهم المبدعات في عوائد ملموسة للمجتمع، وتكسر صورة الفن كترفٍ لا جدوى منه.
العلوم والفضاء… من قاعة الدرس إلى مدار الأرض
لم يعد الحديث عن انخراط المرأة في العلوم مجرّد أمنية. المختبرات اليوم تحفل بباحثات في الطاقة الشمسية، والمواد المتقدّمة، والوقاية الوبائية، وعلوم البحار. وعلى قمة هذا الهرم الرمزي: صعود ابنة الإمارات إلى فريق روّاد الفضاء. الحكاية ليست في «الحدث» وحده، بل في أثره المتسلسل على مخيال الأجيال: أن تصبح الفيزياء والهندسة والفضاء كلماتٍ يومية في غرف البنات.
المرأة والاستدامة… رعاية الأرض بيتاً أكبر
الاستدامة ليست ملفاً بيئياً فحسب؛ بل هي أيضاً عدالة بين الأجيال. النساء في الإمارات يدخلن هذا الملف من بواباتٍ عديدة: ريادة أعمال خضراء، تعليم بيئي، أبحاث في المياه والطاقة والنفايات، وبرامج مجتمعية تقلّل البصمة الكربونية للأحياء السكنية. ومع التحوّل الوطني نحو الحياد المناخي، تتسع فرصٌ جديدة للخبرات النسائية في قياس الانبعاثات، والتخطيط الحضري الذكي، والزراعة العمودية، والاقتصاد الدائري.
المرأة والتكنولوجيا… العمل والمهارة في زمن الذكاء الاصطناعي
يتغيّر سوق العمل بوتيرةٍ أسرع مما نتصور. الذكاء الاصطناعي، والأتمتة، والمنصّات السحابية، كلّها تعيد تركيب الوظائف. النساء في الإمارات يقتحمن هذا العالم بثقة: مطوّرات برمجيات، محلّلات بيانات، مصممات تجارب استخدام، مختصات أمنٍ سيبراني، ومديرات منتجات. هذا التحوّل ليس دفاعياً («نجارٍ الالتحاق»)، بل هجوميّ: تأسيس شركاتٍ تقنية، وابتكار حلولٍ محلية لمشكلاتٍ محلية، وتصديرها إلى المنطقة.
مهارات الغد… اليوم
المعادلة هنا واضحة: تعلّمٌ مستمر، شهاداتٌ احترافية قصيرة، مجتمعات تعلمٍ رقمية، وتخصّصاتٌ هجينة تجمع بين التقنية ومجالٍ معرفي آخر (الصحة الرقمية، القانون والتكنولوجيا، الإعلام والبيانات). وحين يتوفّر «الأمان المهني» عبر سياساتٍ ذكيّة، يزول القلق من المخاطرة.
أصوات من الميدان… بورتريهات قصيرة
1) الطبيبة
في قسم الطوارئ، لا وقت للبلاغة. حين تُغلق الطبيبة جهاز التنفّس الصناعي وتتّجه إلى أسرةٍ تنتظر خبراً مطمئناً، تُدرك أن «التمكين» له وجه إنساني لا تُقاس دقّاته بالأرقام. «أصعب ما في المهنة أن تتعلّم كيف تقول الحقيقة برفق»، تقول وهي تلتقط أنفاسها بين مناوبتين.
2) المعلمة
«أحمل في حقيبتي يومياً ثلاثة عوالم: دفاتر بناتي، قصص مصورة، وخيوط صوف». الضحكة التي تقولها المعلمة ليست استعراضاً. هي تعرف أن الطالبة التي لا تُمسك الخيط بإبرة، قد لا تمسك لاحقاً خيط فكرةٍ في درس الفيزياء. التعليم، كما تمارسه، حياةٌ مصغّرة.
3) المهندسة
فوق رمال الصحراء، ترتفع ألواح الطاقة الشمسية كالمرآة. المهندسة التي تُشرف على المشروع تخاطب فريقها: «الظلّ مهمّ بقدر الضوء؛ ظلّ إجراءات السلامة، وظلّ التدريب». في قطاع الطاقة المتجددة، تتعلّم أن الاستدامة تبدأ من التفاصيل الصغيرة.
4) رائدة الأعمال
«أسوأ نصيحة سمعتها: كوني واقعية وخفّضي سقف أحلامك. أفضل قرار اتخذته: تجاهلت النصيحة». تقولها بابتسامة. الشركة التي أسستها في التجارة الرقمية واجهت عطلاً كبيراً في أسبوعها الأول. «بكيت عشر دقائق. ثم عدت إلى لوحة التحكم». اليوم، صار العطل درساً في الدقّة والمرونة.
5) المبدعة
بين قصيدةٍ ولوحةٍ وإخراج فيلمٍ قصير، ترسم المبدعة خريطة إحساسٍ للمدينة. «أريد فنّاً يلمس اليد لا العين فقط»، تقول. في افتتاح معرضها، جاءت أمٌّ مع ابنتها. ظلّتا دقائق أمام لوحةٍ عن «البيت القديم». دمعتا، ثم ضحكتا. الفنّ يفعل ذلك: يهزّ الذاكرة ويصالحها.
نداء مفتوح إلى القطاع الخاص
أهل السوق شركاء أصيلون في قصة التمكين. هذا «نداءٌ مفتوح» بثلاثة محاور:
- إدارة المواهب: اجعلوا التنوّع جزءاً من استراتيجية الأعمال لا من قسم العلاقات العامة. رتّبوا مسارات تطويرٍ قيادي تستبق «عنق الزجاجة» قبل أن يبتلع المواهب.
- تصميم العمل: جرّبوا «العمل الهجين» بذكاء، واضبطوا الأداء بنتائج، لا بساعات حضور.
- الاستثمار في التعليم: زمالاتٌ جامعية، كراسي بحثية، ومسابقات ابتكارٍ لطلبة المدارس. هذا استثمار طويل المدى في سلسلة التوريد البشرية.
مسك الختام – رسالة إلى ابنة الغد
يا ابنة الغد،
لا تبحثي عن إذنٍ كي تحلمي. الحلم حقّ.
اقرئي كثيراً، واعملي بذكاء، واطلبي العون من دون خجل، وأمسكي يد مَنْ تمشين معها.
ففي هذه البلاد تعلمنا أن الطريق يُصنع جماعياً…
يداً بيدٍ — للخمسين القادمة.
Originally posted 2025-08-28 10:54:54.