المقالات

عيد الأضحى… حين يهمس العيد للروح

في كل عام، يتسلل عيد الأضحى إلى أرواحنا على مهل… لا يأتي صارخًا ولا ضاجًا، بل يزحف برائحة الطمأنينة، بأنفاس الحجيج، وبتكبيرات القلب واللسان “الله أكبر الله أكبر” التي توقظ شيئًا قديمًا بداخلنا. شيء لا يُقال ولا يُفهم… لكنه يُحس.

العيد في جوهره ليس موعدًا في التقويم.
هو حدث داخلي.
انقلاب مفاجئ في مزاج القلب.
هو ذاكرة جماعية تنهض من سباتها وتعيد ترتيب الأولويات: الأسرة، اللقاء، الغفران، اللحوم على الفحم، قهوة “صباحية” تتشاركها مع من تفتقدهم طوال العام… والعين تلمع فقط لأن أحدهم قال: “مشتاقين”.

بعيدًا عن الزينة والمجاملات، أصل العيد يرتبط بإبراهيم.
ذاك النبي الذي نزل عليه العيد لا كفرحة… بل كاختبار.
تخيل عيدًا تكون فيه مطالبًا بأن تذبح ابنك، لا أن تلبسه.
أن تُسلم قلبك لا أن تفرشه بالورود.

ورغم صعوبة الصورة، فإن قصة إبراهيم تُعلّمنا أن العيد الحقيقي لا يولد من راحة… بل من تضحية.
وأن الفرح لا يكون مكتملاً إلا حين يتجاوز الفردانية، ويغدو مشاركة كونية في مشهد يتكرر منذ آلاف السنين: من مكة، إلى كل بيتٍ فيه سجادة صلاة ويد مرفوعة للسماء.

وكأنّ في العيد ترخيصًا رسميًا للحُنين.
فيه نعود أطفالاً، حتى وإن كبرنا.
نُلبس أبناءنا ملابس العيد، فقط لنتذكر كيف كنا.
نقف عند أبواب الجيران، لا لنأخذ العيدية، بل لنُعيد طقوسًا ظنناها اندثرت.

نشتري شوكولاتة غالية ليس من أجل الطعم، بل لنحاكي صندوق الضيافة القديم في بيت الجدة.
نركض لنُعيد ترتيب المجلس العربي، ونخرج المبخرة… رغم أن لا أحد يأتي أحيانًا.

أترانا نتمسك بالعيد، أم هو من يتمسك بنا؟
أظن أنه الاثنين معًا.

وفي عالمنا هذا المثقل بالأخبار السيئة، يأتينا العيد كعُطلة من الألم.
يقول لنا: انسَ قليلاً، وابتسم كثيرًا.
خذ من روحك شيئًا خفيفًا، واذهب لزيارة أُمك، أو صديق قديم لم تره منذ سنوات.

العيد لا يُريدك أن تكون مثاليًا، فقط صادقًا.
أن تغفر حتى إن لم تُشفَ.
أن تعطي حتى إن كنت لا تملك الكثير.

العيد فعل جماعي، لكنه أيضًا قرار فردي.
أن تختار أن تكون طيّبًا، في عالم لا يشجع على الطيبة.
أن تقف عند الباب، وتأخذ نفسًا عميقًا، وتقول: عيدكم مبارك… وإن كنت لا تعرف من خلف الباب جيدًا.

ومع انقضاء أيام العيد، شيءٌ من العيد يبقى بعد أن يذهب

ما يبقى من العيد ليس الصور، ولا حتى العيديات، بل تلك اللحظة التي شعرت فيها أنك لست وحيدًا في هذا العالم.
لحظة حضنك مع أخيك الذي غاب طويلًا.
ضحكتك مع أختك على موقف تافه في المطبخ.
صمتك مع والدك حين نظرتما إلى السماء بنفس اللحظة، دون أن تتحدثا.

هذا هو العيد.
ليس أكثر، وليس أقل.

 

كل عام وأنتم بخير،
كل عام وأنتم بشرٌ أكثر دفئًا، وقلوبٌ أكثر رحابة.
وكل عام، وأنتم تفتحون نوافذكم لا للتهوية فقط… بل لاستقبال نسمة تُشبه العيد.

 

Originally posted 2025-06-05 10:16:14.