نحو مستقبل أكثر شمولاً وعدلاً
حوار خاص مع الدكتور خالد السلامي
نحو مستقبل أكثر شمولاً وعدلاً للأشخاص ذوي الإعاقة في الوطن العربي
في لقاءٍ فكري اتسم بالعمق والوضوح، حظيت بفرصة محاورة سعادة الدكتور خالد السلامي، رئيس مجلس إدارة جمعية أهالي ذوي الإعاقة، وعضو الأمانة العامة للمركز العربي الأوروبي لحقوق الإنسان. استعرضنا معاً عشرة محاور محورية تمسّ جوهر قضايا الأشخاص ذوي الإعاقة في العالم العربي، وتطرقنا خلالها إلى رؤى استراتيجية وحلول واقعية تسعى لتحقيق العدالة والكرامة لهذه الفئة.
استهل الدكتور السلامي حديثه بالإشارة إلى أهمية تحديث المنظومة التشريعية، مؤكدًا أن التشريعات الحالية في الدول العربية، وإن شهدت تقدماً في بعض الجوانب، إلا أنها تظل بحاجة إلى مراجعة شاملة كي تواكب المعايير الدولية، وتنتقل من النهج الرعوي إلى المقاربة الحقوقية. وشدد على ضرورة إشراك الأشخاص ذوي الإعاقة ومنظماتهم التمثيلية في صياغة هذه التشريعات، مع اعتماد آليات واضحة للمساءلة وضمان التنفيذ.
وبسؤاله عن واقع التعليم، أشار إلى أن التعليم الدامج لا ينبغي أن يكون شعاراً بل ممارسة يومية. وشدد على أهمية تبني التصميم الشامل للتعلم في المناهج الدراسية، وتوفير بيئات تعليمية مرنة ومهيأة، بالإضافة إلى تدريب المعلمين وتأهيلهم لفهم احتياجات الطلبة ذوي الإعاقة. وأشاد ببعض التجارب العربية في هذا المجال، إلا أنه أكد أن غياب رؤية تعليمية موحدة يظل تحديًا كبيرًا.
وفيما يتعلق بالقطاع الصحي، أوضح الدكتور السلامي أن النهج التجزيئي السائد في تقديم الخدمات الصحية لم يعد كافياً، وأن المطلوب اليوم هو مقاربة تكاملية تشمل الصحة الجسدية والنفسية والاجتماعية. كما دعا إلى تعزيز خدمات الكشف المبكر والتدخل المبكر، وإنشاء مراكز تأهيل متخصصة توفر رعاية شاملة من خلال فرق متعددة التخصصات.
وانتقلنا بعد ذلك إلى الحديث عن سوق العمل، حيث أشار إلى أن تمكين الأشخاص ذوي الإعاقة اقتصادياً يستوجب الانتقال من منطق الرعاية إلى منطق الإنتاجية. واعتبر أن المسؤولية تقع على عاتق الحكومات لتحفيز القطاع الخاص، وتوفير بيئات عمل مواءمة، إلى جانب دعم ريادة الأعمال من خلال برامج تمويل وتأهيل مهني مصممة خصيصاً وفق قدرات واحتياجات هذه الفئة.
وحول مساهمة التكنولوجيا المساعدة، شدد الدكتور السلامي على أنها لم تعد ترفًا، بل ضرورة يومية لتمكين الأفراد من التعلّم، والعمل، والاستقلال. وذكر مجموعة من التقنيات المساعدة التي أثبتت فعاليتها، داعياً إلى توطين هذه التقنيات وجعلها متاحة وميسورة التكلفة للجميع، مع رفع مستوى الوعي باستخدامها.
وفي سؤالنا عن الاندماج المجتمعي، أكد أن الدمج لا يكتمل دون تكييف شامل للبيئة العمرانية والمرافق العامة، بما فيها وسائل النقل. كما أشار إلى أن كسر الحواجز المعنوية والثقافية لا يقل أهمية عن كسر الحواجز المادية، داعيًا إلى حملات توعوية متواصلة لمكافحة الوصم وتغيير الصورة النمطية عن الأشخاص ذوي الإعاقة.
وحين تناولنا دور الأسرة والمجتمع المدني، وصف الدكتور السلامي الأسرة بأنها “المرآة الأولى التي يرى من خلالها الشخص ذاته”. وأكد أن دعم الأسر وتوعيتها يمثل خطوة مركزية نحو التمكين، داعيًا إلى إنشاء شبكات دعم تكاملية تشمل الأسر والمؤسسات الرسمية والمجتمع المدني، بحيث تعمل بتنسيق دائم لتقديم المساندة النفسية والمادية والمعرفية.
وبالحديث عن السياسات الحكومية، بيّن أن التخطيط المجزأ لم يعد ملائماً لطموحات المرحلة، وأن هناك حاجة لصياغة سياسات شاملة تُدمج حقوق الأشخاص ذوي الإعاقة في كل القطاعات، لا كملاحق إضافية بل كأجزاء أصلية من السياسات الوطنية. كما دعا إلى تخصيص موازنات مستقلة، وإنشاء آليات متابعة وتقييم شفافة، مع ضرورة وجود هيئات رقابية مستقلة لمساءلة الجهات المنفذة.
وانتقلنا للحديث عن الإعلام، حيث بيّن الدكتور السلامي أن الإعلام يُعدُّ سيفًا ذا حدين. فإن أُحسن استخدامه، كان أداة توعية وتمكين؛ وإن أُسيء توظيفه، ثبت الصور النمطية والتمييز. ودعا إلى إنتاج محتوى إعلامي واقعي، يبرز القدرات بدلاً من التركيز على العجز، مع إشراك الأشخاص ذوي الإعاقة في إنتاجه، ليس فقط كمستفيدين بل كصناع قرار ومبدعين.
واختتم الدكتور السلامي اللقاء برؤية استشرافية حملت في طياتها مزيجًا من الواقعية والأمل. رأى أن العقد القادم يحمل فرصًا كبيرة إذا ما تم الاستثمار فيها بذكاء وشراكة. ودعا إلى الانتقال من مرحلة الدمج إلى مرحلة التمكين الحقيقي، حيث يصبح الأشخاص ذوو الإعاقة قادة، لا متلقين للقرارات فقط.
Originally posted 2025-06-18 10:24:28.
