المقالات

برعاية وحضور الشيخة عائشة بنت سعيد الشرقي دعوة رسمية للمشاركة في المؤتمر الدولي للمستثمرين – “رجال وسيدات الأعمال”

نولدج هب يقدم
برعاية وحضور الشيخة عائشة بنت سعيد الشرقي
دعوة رسمية للمشاركة في المؤتمر الدولي للمستثمرين – “رجال وسيدات الأعمال”
بمشاركة نخبة من كبار الشخصيات الاقتصادية

أعزائي أصحاب السعادة وروّاد الاستثمار،
تحية تقدير واحترام يليق بمكانتكم وريادتكم،

يشرفني أنا المستشار الدكتور خالد السلامي،
أمين عام المؤتمر الدولي للمستثمرين،
أن أوجه لكم هذه الدعوة الكريمة للانضمام إلى الحدث الاقتصادي الأبرز لهذا العام، والذي سيُعقد بمشيئة الله في 20 ديسمبر 2025، من الساعة 4:00 مساءً وحتى 10:00 مساءً.

إن هذا المؤتمر يشكل ملتقى استثنائيًا عالي المستوى يجمع قامات اقتصادية مؤثرة، ورجال وسيدات أعمال تركوا بصمتهم في مسيرة الاستثمار المحلي والدولي.
وسيشهد الحدث نقاشات معمقة حول تحولات السوق العالمية، واستعراض فرص استثمارية نوعية، إضافة إلى جلسات حوارية تسهم في تعزيز نمو الأعمال وتطوير الشراكات الاستراتيجية.

إنني أؤمن أن الحضور الفاعل لأصحاب الفكر والرؤية مثلكم هو ما يمنح هذا المؤتمر قيمته الحقيقية، فالشراكات الناجحة تُبنى على المشاركة، والحوار الجاد هو الطريق نحو قرارات تصنع المستقبل.

ولا يفوتني أن أتقدم بوافر الشكر والعرفان إلى شركاء النجاح:
البرفيسور محمد خيري القناني
الشيخة عائشة بنت سعيد الشرقي
الدكتورة عزة حمد
على جهودهم الحثيثة وإسهاماتهم في الارتقاء بهذا الحدث إلى مستوى يليق بكم وبطموحاتكم.

نرحّب بكم في مساحة اقتصادية راقية تجمع الخبرة والطموح، وتفتح آفاقًا واسعة لبناء علاقات رفيعة مع نخبة من قادة الأعمال.
فكونوا على الموعد… فمستقبل الاستثمار يبدأ من هنا.

مع أسمى التحيات والتقدير،
المستشار الدكتور خالد السلامي
أمين عام المؤتمر الدولي للمستثمرين

#المستشار_الدكتور_خالد_السلامي
#الشيخة_عائشة_بنت_سعيد_الشرقي
#المؤتمر_الدولي_للمستثمرين
#رجال_وسيدات_الأعمال
#قادة_الاستثمار
#منصة_الاستثمار_الدولي
#فرص_استثمارية
#شركاء_النجاح
#اقتصاد_المستقبل
#روح_الريادة
#تمكين_رواد_الأعمال
#ملتقى_الاستثمار_2025
#الابتكار_والاستثمار
#شبكات_الأعمال

Originally posted 2025-11-28 19:57:35.

المقالات

دور الزوج في احتواء زوجته وأسرته

القوامة: مسؤولية ورعاية لا تسلّط

 عندما وصف الله تعالى الرجال بأنهم قوَّامون على النساء، لم يكن ذلك تزكية مطلقة بقدر ما هو تكليف ومسؤولية. يقول الله تعالى: {الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ بِمَا فَضَّلَ اللهُ بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ وَبِمَا أَنْفَقُوا مِنْ أَمْوَالِهِمْ}. وقد جعل الشرع القوامة للرجل لأسباب واضحة؛ منها ما هو فطري وهبي، كامتلاكه في الغالب قدرة أكبر على التحكّم بالعواطف وحسن التدبير في الشدائد، ومنها ما هو تكليفي مكتسَب كالتزامه بالإنفاق ورعاية الأسرة. وعلى الرجل أن يفهم أن هذا التكليف الإلهي لا يعني الاستبداد أو التعالي على زوجته، بل هو توجيهٌ نحو القيام بدور القيادة الحكيمة والحماية والرعاية. وقد أكد أهل العلم أن الرجال قوامون على النساء هو خطاب تكليف لا تشريف؛ أي أنك أيها الزوج قِيّمٌ على زوجتك لتجعلها سيِّدةً مكرَّمة لا خادمة، وشريكةً مصونة لا جارية. فالرجل قوّامٌ ليحنو ويعطف، لا ليقهر ويعنف – وهذه المعاني الحقّة للقوامة هي التي تحفظ للمرأة كرامتها وتضمن للأسرة تماسكها.

وللأسف قد يفهم بعض الرجال القوامة فهمًا خاطئًا، فيظن أن احترام الزوجة والتنازل أحيانًا لرغباتها يُضعِف رجولته أو ينتقص من شأنه. لكن الواقع عكس ذلك تمامًا؛ فاحترام الزوجة وتقدير مشاعرها يزيد الزوج مهابةً في عينها، ويملأ قلبها حبًا وتقديرًا له. إن الزوج القائد بحق هو من يكسب ولاء القلب قبل التزام الجسد، فيحيا كلاهما في ظلال المودّة والاحترام المتبادل.

الصبر والتفهم أمام تحديات الحياة الزوجية

لا تخلو أي حياة زوجية من التحديات والمنغصات. هنا تبرز حاجة الزوج إلى التحلّي بالصبر والحكمة في تعامله مع زوجته، خصوصًا عند ظهور التقصير أو صدور أخطاء منها. يوصينا رسول الله ﷺ بقوله: “استوصوا بالنساء خيرًا، وهي وصيّة نبوية جامعة تدعو إلى معاملة المرأة بالإحسان والرفق والصبر على ما قد يصدر عنها بحكم طبيعتها البشرية. وقد شرح الإمام النووي هذه الوصية بقوله: “فيه الحثُّ على الرفق بالنساء والإحسان إليهنَّ والصبر على عوج أخلاقهن… وأنه لا مطمع في استقامتهن (الكاملة). أي أن التقويم الحرفي الكامل لشخصية الزوجة أمر متعذّر، فكما أن الضلع فيه شيء من الاعوجاج الطبيعي، كذلك المرأة قد يكون لديها بعض الطباع التي تتطلّب صبرًا ومداراة. الحكمة إذًا أن نتقبّل شريك الحياة بعيوبه ومزاياه، ونعالج جوانب النقص باللطف والحلم بدل العنف واللوم.

لقد جسّد النبي ﷺ قمّة الصبر والتفهم في معاملته لأهله؛ فلم يكن فظًّا ولا غليظًا، بل كان رحيمًا رقيقًا المشاعر. تحكي أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها عن نبيّنا فتقول: “ما ضرب رسولُ الله امرأةً قط – لم يلجأ يومًا للعنف مع زوجاته، مع أنه صاحب السلطة والقوامة. في مشهد مؤثّر خلال إحدى الرحلات، غضبت السيدة صفية رضي الله عنها وبكَتْ عندما تعثّر جملها وتأخر الركب؛ فماذا فعل النبي ﷺ؟ أوقف القافلة كلها من أجلها، وجعل يمسح دموعها بيده الشريفة مواساةً لها. لم يحقّر شعورها أو يقل إنه سبب تافه (مع أنه موقف عابر في السفر)، بل قدّر ضعفها وراعى حزنها. هذه اللمسة النبوية الحانية في لحظة ضعف بشري تحمل لنا درسًا بليغًا – أن الرجل الحقّ يحتوي زوجته في لحظات انكسارها قبل لحظات انبهارها، ويقدر دموعها لأنها عنده غالية.

من البصائر القرآنية العظيمة في التعامل مع أخطاء الزوجة أو فتور المشاعر معها قوله تعالى: {وعاشِرُوهُنَّ بالمَعْرُوفِ فإن كَرِهْتُمُوهُنَّ فَعَسَى أن تَكْرَهُوا شَيئًا ويَجْعَلَ اللهُ فيه خَيْرًا كَثيرًا} (النساء:19). تأمّل كيف يوجّهنا القرآن إلى الصبر على الزوجة حتى في حال الكراهية النفسية؛ فقد يكون في الإمساك بها خيرٌ كثير مستقبلاً. وربما مع طول الصحبة والتغاضي عن الهفوات ينقلب النفور إلى مودة ويأتي الله بالخير من حيث لا نحتسب. قال ابن عباس رضي الله عنهما في تفسير الآية: هو أن يعطف عليها فيُرزق منها ولدًا، ويكون في ذلك الولد خير كثير. وقد عضّد النبي ﷺ هذا المعنى بقوله في الحديث الصحيح: “لا يفرك مؤمنٌ مؤمنةً؛ إن سَخِطَ منها خُلُقًا رَضِيَ منها آخر – أي لا يبغض مؤمنٌ زوجته المؤمنة؛ لأنه إن وجد فيها خصلة يكرهها، فسيجد خصلة أخرى يحبها ويرضاها. إنها نظرة متوازنة تُذكّر الزوج بأن الكمال لله وحده، وأن شريكة حياته مزيجٌ من الفضائل والنقائص مثل كل البشر، فليتّسع صدره لما لا يعجبه منها مقابل صفاتها الحسنة الأخرى.

ومن أروع ما يُروى في صبر الأزواج ما جاء عن الفاروق عمر بن الخطاب رضي الله عنه، حين جاءه رجل يشكو سوء خُلُق زوجته وارتفاع صوتها عليه. فوجده ينتظر ببابه فسمع زوجة عمر تخاطبه بحدة وهو صامت! فلما استفسر الرجل متعجبًا، أجابه عمر بكلمات تُكتب بماء الذهب: إنها تغسل ثيابي، وتطهو طعامي، وترعى ولدي، وليس ذلك كلّه واجبًا عليها!... أفلا أتحمّلها إن هي رفعت صوتها؟!. مهما كانت درجة صحة هذه الرواية تاريخيًّا، فإن مغزاها حقيقي عميق: تذكّر أيها الزوج فضل زوجتك عليك؛ فهي تقوم من أجلك وعن طيب نفس بأمورٍ كثيرة ليست مفروضةً عليها شرعًا – تطبخ، وتنظف، وتربّي، وتواسي – وكل ذلك حبًا لك ولأسرتكما. أفلا تكون مقابل ذلك رحيمًا صبورًا تجاه ما قد يصدر منها من تقصير أو سوء مزاج؟ إن الاعتراف بالجميل يُلزم الأحرار بأن يقابلوا الإحسان بالإحسان، أو على الأقل بالصبر والتغاضي. فازرع في نفسك امتنانًا صادقًا لجهود زوجتك، يكن صبرُك عليها أيسر، وتكون قدرتك على احتواء غضبها أو حزنها أكبر.

مودةٌ في السراء ورحمةٌ في الضراء: نصائح للأزواج المعاصرين

الحياة اليوم مليئة بالضغوطات التي لم يعرفها آباؤنا بنفس الحدة؛ من أعباء العمل وتسارع الوقت، إلى تحديات تربية الأبناء ومغريات التكنولوجيا. في خضم ذلك، يتضاعف واجب الزوج في التحلّي بالحلم والحكمة لاحتواء أسرته، وإعانة زوجته على مواجهة تلك الضغوط النفسية والاجتماعية. إليك أيها الزوج بعض الوصايا العملية التي تُعينك – بعد توفيق الله – على أداء دورك القيادي والأسري على أكمل وجه:

  • المودّة والرحمة حسب المقام: تيقّن أن أيام الزواج دائرة بين فرح وترح، سعة وضيق. ففي أيام السعادة والرخاء أغدِق المودّة وعِش البهجة مع زوجتك، وفي أيام الشدة والأزمات ابذل الرحمة واصبر واحتوِ مشاعرها. فقد قال أحد الحكماء: المودّة مطلوبة في السرّاء، والرحمة مطلوبة في الضرّاء؛ وهذه حكمة اجتماع الكلمتين في الزواج. فلتكن حنونًا ولطيفًا عندما تكون هي ضعيفة أو مهمومة، وكن متفهمًا ومتسامحًا عندما تقع في خطأ أو تقصير – فهذا هو معنى الرحمة الحقيقي: التسامح والعطف وسعة الصدر وكظم الغيظ والابتعاد عن القسوة.
  • الإصغاء والتفهّم: امنح زوجتك أذنًا صاغية وقلبًا مفتوحًا. كثيرًا ما تكون الزوجة بحاجة للبوح والحديث عما يختلج في نفسها، فاستمع إليها باهتمام دون تهكّم أو استعجال. تفهّم أن شكواها أو حتى انفعالها أحيانًا هو تنفيسٌ عاطفي طبيعي، فكن لها صدرًا رحبًا. تذكّر كيف كان رسولنا ﷺ يُنصت لعائشة حتى في أدقّ تفاصيل حديثها، وكيف لم يوبّخ صفية على بكائها بل واساها. الإصغاء الفعّال يبني جسور الثقة بينكما ويشعر زوجتك بقيمتها ومكانتها في قلبك.
  • التقدير والثناء: لا تبخل على زوجتك بكلمات الشكر والثناء على ما تقدمه للأسرة. أثنِ على طعامها وامتدح ترتيبها للبيت وعنايتها بالأبناء. إن شعورها بتقديرك لجهدها يخفّف عنها تعب الأيام، ويؤجّج في قلبها مزيدًا من الحب والعطاء لك. واجهِ تقصيرها (إن حدث) بالتغاضي حينًا والتنبيه اللطيف حينًا، وتذكّر دائمًا حديث النبي ﷺ: “خيركم خيركم لأهله – فخير الرجال من كان خيرًا لزوجته في القول والفعل والتعامل.
  • ضبط الغضب والرفق في الخلاف: قد تمر عليكما لحظات اختلاف أو سوء فهم تؤجّج الغضب؛ وهنا يظهر معدن الرجولة الحقة في كبح جماح النفس. تذكّر قول النبي ﷺ: “ليس الشديد بالصُّرَعة؛ إنما الشديد الذي يملك نفسه عند الغضب. إذا علا صوت زوجتك في نقاش حاد، فحاول أن تملك أعصابك ولا ترد الصراخ بصراخ. اخفض صوتك واعتمد نبرة هادئة، وستجد أنها ستخجل من انفعالها وتسكُن تدريجيًا. الرفق مفتاح القلوب المغلقة، وقد قال ﷺ: “ما كان الرفق في شيء إلا زانه، وما نُزع من شيء إلا شانه. تذكّر قصة عمر رضي الله عنه السابقة وكيف ضرب أروع مثال بالصمت والحلم أمام غضب زوجته. مثل هذه المواقف تتكرّر في كل بيت، فاجعل الحلم سلاحك، واعتبر الصبر في لحظة الغضب انتصارًا للنفس وارتفاعًا عن سفاسف الأمور.
  • الشورى والتشاركية في القرارات: من أهم صور الاحتواء أن يشعر أهل بيتك أنك تقدّر آراءهم وتأخذها بالحسبان. أشرك زوجتك في اتخاذ القرارات المتعلقة بالأسرة كميزانية البيت أو تربية الأبناء أو خطط المستقبل. هذه المشاركة تعكس احترامك لعقلها وفهمها، وتزيدها شعورًا بالمسؤولية والارتباط الإيجابي معك. وكم من قرار صائب كان ثمرة مشورة هادئة بين زوجين يكمّل بعضهما رأي بعض! يقول تعالى: {وأمرُهُم شورى بينهم} – فلتكن الشورى منهج حياتكما ما أمكن، ففيها بركة وحلول قد تغيب عن نظر الواحد منفردًا.
  • التوازن بين العمل والبيت: صحيحٌ أن عملك ومسؤولياتك الخارجية كبيرة، لكن أسرتك أولى بساعات عمرك. فلا تجعل السعي للرزق أو طموح العمل يسرقك بالكامل من زوجتك وأبنائك. نظّم وقتك بحيث يكون لك وقت يومي أو أسبوعي نوعي مع عائلتك؛ تتحاورون، تتنزّهون، تجتمعون على مائدة أو جلسة ودية. هذه اللحظات تقوّي الروابط وتُشعر الزوجة والأولاد بأن لهم مكانة خاصة في حياتك رغم انشغالاتك. وإن اضطررت للتأخر أو الانشغال، فأبلغهم واعتذر بلطف. الزوج الحكيم يوفّق بين نجاحه المهني ونجاحه الأسري، ولا يُضحّي بأحدهما على مذبح الآخر إلا لضرورة قصوى.
  • الاقتداء بالنموذج النبوي: ليكن دستورك المنزلي قول الحبيب المصطفى ﷺ: “خيركم خيركم لأهله، وأنا خيركم لأهلي. اسعَ أن تتأسى به في معاملته لأزواجه؛ كان في بيته بشوشًا ليّنًا، يُداعب ويمازح، يساعد في شؤون المنزل، ويخصّص لكل زوجة وقتها وحقها من العشرة بالمعروف. لم يكن يرى في خدمة أهله غضاضة وهو خير الخلق وأكرمهم. هذه القدوة العملية أعظم دليل أن الرجولة الحقيقية ليست في الصراخ أو التجبّر، بل في حُسن العِشرة ولين الجانب. اجعل بيتك روضة حب واحترام، وسترى ثمرة ذلك سكينةً ومودّة تغمرك أنت وزوجك وأبناءك على حد سواء.

خاتمة: دعوة لمراجعة الذات بروح مفتوحة

في ختام هذا التأمل، نجد أن احتواء الزوج لزوجته وأسرته هو فنٌ نبيل يحتاج من الرجل إلى قلب كبير وعقل راجح. هو رحلة جهاد يومي للنفس والهوى، يربّي فيها الزوجُ ذاته على الصبر والحكمة كما يرعى أسرته بالحب والحنان. ليس المطلوب أبدًا زوجًا ملائكيًا معصومًا لا يخطئ أو يغضب، بل المطلوب زوج واعٍ إذا أخطأ تعلم، وإذا غضب تأنّى وندم، يملك شجاعة المراجعة والتصحيح بلا عناد. فالسعادة الزوجية ليست معادلة يحلّها طرف واحد؛ إنها نتاج تراكم جهود مشتركة وتفاهم متبادل بين الزوجين.

عزيزي الزوج، راجع نفسك بين الحين والآخر بروح منصفة: هل كنتُ كما ينبغي حكيمًا في قيادة سفينة أسرتي؟ هل منحتُ زوجتي من العطف والتفهّم ما تستحقه كشريكة عمر؟ هل أحسنتُ الاقتداء بخير البشر ﷺ في حلمه وكرمه مع أهله؟ أسئلة كهذه كفيلة بأن تُنير لك دروب التصحيح والتحسين بلا حاجة لموعظة من أحد أو لوم من زوجتك. إنها ليست محاكمة بقدر ما هي وقفة صادقة مع الذات لتنقية ما يعكّر صفو الحياة الزوجية. ذكّر نفسك دائمًا أن زوجتك أمانة في عنقك، استودعك اللهُ قلبها ومشاعرها لتصونها وتحنو عليها. وأن أولادك ينظرون إليك نموذجًا وقدوة، فكُن لهم مثال الرجل المحب المسؤول الذي يحتوي أسرته في المفرح والمحزن.

إن مراجعة الزوج لذاته بين الفينة والأخرى هي علامة نضج وقوة شخصية، وليست ضعفًا أبدًا. فمن يملك الجرأة على نقد نفسه وإصلاحها هو الإنسان الذي سيكسب نفسه وأهله معًا. اجعل هذه المراجعة عادةً حميدة في حياتك، وسترى كيف تتحوّل خلافاتك مع زوجتك إلى جسورٍ جديدة من التفاهم، وكيف يغدو منزلكم سكنًا رحبًا تظلّله المودّة والرحمة بحق. ولا تنسَ أن تستعين بالله في كل ذلك؛ فالقلب بين أصبعين من أصابعه يقلبه كيف يشاء. اسأله سبحانه أن يؤلّف بين قلبك وقلب زوجك، وأن يرزقك الحكمة والصبر لترعى أسرتك حق الرعاية.

وفي النهاية، تبقَى التجربة البشرية ناقصة والكمال لله وحده. فليكن شعارك التحسين المستمر دون توقّف، والسعي بإخلاص لتكون زوجًا أفضل وأبًا أحنّ يومًا بعد يوم. بذلك فقط تؤدّي الأمانة التي ولاّك الله، وتحقق المعنى الحقيقي للقوامة كحبٍ ومسؤولية، لا تسلّطٍ واستعلاء. ومع كل خطوة تخطوها في درب المودة والتفهم، تذكّر قول نبيّك الكريم: “أكمل المؤمنين إيمانًا أحسنهم خُلُقًا، وخياركم خياركم لأهله. فهذا هو الميزان النبوي الذي توزن به الرجال حقًا. اجعل هذا الميزان نصب عينيك، وانطلق في رحلتك مع زوجتك بروح جديدة متجددة، واضعًا يدك في يدها، لتصنعا معًا حياةً أرقى وأسعد، تغفران فيها الزلّات، وتقتنصان لحظات الجمال، وتربّيان أجيالًا تنشأ على الحب والاحترام. إن احتواء الزوج لزوجته وأسرته ليس مجرد واجب اجتماعي أو ديني فحسب، بل هو فنُّ الحياة الطيبة الذي متى ما أتقنّاه، ارتشفنا جميعًا رحيق السعادة والسكينة في دنيانا وآخرتنا، بإذن الله.

اللهم ألّف بين قلوب الأزواج، واجعل بيوتنا مودةً ورحمة، واهدنا جميعًا لأحسن الأخلاق والأقوال والأعمال، إنك ولي ذلك والقادر عليه.

 

Originally posted 2025-07-26 20:31:17.

المقالات

حين لا يحدث شيء

في لحظةٍ لا شيء فيها يحدث، قد يكون كلُّ شيءٍ في الداخل يتحرّك.

ليس الصخب هو ما يصنع الحكاية، ولا الامتلاء الظاهري هو ما يدلّ على الحياة. هناك لحظات، تقف على حافة الزمن، لا تمتلئ بشيءٍ سوى نفسها. لا صوت. لا اندفاع. فقط سكونٌ يتنفّس على مهل، كأنّه ينتظر شيئًا لا يريد أن يأتي بسرعة.

الزمن الحديث لا يعرف الرحمة بالبُطء. كلّ شيء يُقاس، يُضغط، يُختصر. السرعة لم تعد وسيلة… بل أصبحت غاية. الأخبار تتوالى كطلقات، القرارات تُتخذ بلا تردّد، والعلاقات تمرّ كعناوين فرعية لا تمنح نفسها فرصة التمهّل. أصبح الصمت يُربك، والتأخر يُقلق، والبُطء يُفسّر على أنّه خلل. لكن، من قال إن ما لا يتسارع يفقد قيمته؟

البُطء ليس دائمًا تأخّرًا… أحيانًا هو وعيٌ لا يريد أن يُقاطع نفسه. هو عينٌ تأخذ وقتها لتتأمل مشهدًا لم يُكتمل، أو قلبٌ لا يقفز إلى الاستنتاجات. البُطء قد يكون احترامًا للصيرورة، منحًا للأشياء أن تُنضج نفسها دون استعجال. كما تنضج الفكرة في عقلٍ صامت، أو كما ينمو البرعم في أرضٍ لم تُحرث كثيرًا.

ثمّة أمور لا تُرى في السرعة. لا يظهر ظلّ الأشياء إلا حين يهدأ الضوء. لا تُفهم الكلمة حتى يصمت الصدى. لا نلمح المشاعر الحقيقية في الحديث السريع، بل في التردّد، في الفراغ بين الجمل، في ما لم يُقل بعد.

هناك بطء لا يتعلق بالحركة، بل بطريقة العيش. أن تُبطئ لا يعني أن تتوقّف، بل أن تُخفّف اندفاعك نحو النتيجة، أن تُمهل نفسك قليلاً لتشعر بما يحدث دون أن تفسّره فورًا. أن تُبقي احتمال التراجع قائمًا، أو تعطي لحظة الحيرة حقّها في أن تكون.

حين لا يحدث شيء، تحدث أشياء خفيّة: تتراكم ملامح الأيام على الوجوه، يتسلّل صوت قديم إلى الرأس، تُعاد صياغة جملة سابقة بنغمة مختلفة. نحن لا نحتاج دائمًا إلى حدثٍ جديد، بل إلى فراغ نضع فيه أنفسنا… بلا ضغط.

وفي النهاية، ليس كلُّ بطءٍ هروبًا، وليس كلُّ انتظارٍ فراغًا. أحيانًا، تكون أعمق التحوّلات صامتة. تمشي على أطرافها، ولا تطرق الباب.

وكأنّ العالم، حين لا يحدث فيه شيء، يتهيّأ لشيء أكبر لا يحتاج أن يُعلن عن نفسه.
ربما نراه… وربما نمرّ عليه دون أن ننتبه.

 

Originally posted 2025-07-25 10:40:29.

المقالات

🌙 عيد الفطر… عندما يعود القلب إلى هدوئه

كلما حاول الإنسان أن يبتعد قليلًا عن ضجيج الأخبار ويأخذ نفسًا عميقًا، يلاحظ شيئًا مهمًا: العالم من حولنا يتحرك بسرعة، أحيانًا بسرعة مرهقة. توترات، تغيّرات، أحداث متلاحقة… كأن المنطقة كلها تعيش على إيقاع غير ثابت.

ومع ذلك—وهنا المفارقة الجميلة—تجد الإمارات تسير بثبات مختلف. ليس لأن التحديات غير موجودة، بل لأنها تُدار بعقلانية وهدوء. في ظل ما تشهده المنطقة من تصعيدات سياسية وأمنية، وتحديات مرتبطة بالطاقة والاقتصاد، استطاعت الدولة أن تحافظ على توازن دقيق بين حماية الداخل والاستمرار في البناء للمستقبل.

هذا الإحساس… إحساس الأمان وسط عالم مضطرب، ليس أمرًا بسيطًا. أحيانًا نعتاد عليه لدرجة أننا لا ننتبه له. لكن لو توقفنا لحظة، سنكتشف أنه نعمة حقيقية.

ومن هنا، ربما نفهم لماذا يأتي عيد الفطر هذا العام مختلفًا قليلًا في شعوره.
ليس فقط لأنه نهاية شهر رمضان المبارك، بل لأنه يأتي وكأنه رسالة هادئة تقول: رغم كل شيء… ما زال هناك فسحة للفرح.

العيد في جوهره ليس مجرد مناسبة دينية نحتفل بها كل عام، ولا هو فقط طقوس من صلاة وزيارات وهدايا.

هو حالة شعورية… لحظة يتوقف فيها الإنسان ليعيد ترتيب داخله.

بعد شهر كامل من الصيام، من الصبر، من مراجعة النفس، يأتي العيد ليقول:

“الآن… ابتسم. فهذا يوم الفرح.”

في الإمارات، يتجلى هذا الشعور بطريقة مميزة.

ربما لأن المجتمع هنا متنوع، أو لأن التجربة الإنسانية فيه مختلفة، أو لأن هناك قيادة صنعت بيئة يشعر فيها الإنسان بالاستقرار.

وهذا الاستقرار، في زمننا الحالي، ليس تفصيلًا صغيرًا.

بل هو الأساس الذي يُبنى عليه كل شيء آخر: الفرح، الطمأنينة، وحتى الأمل.

بين التحديات… وصناعة الأمل

لا يمكن إنكار أن المنطقة تمر بمرحلة حساسة.

الأحداث تتسارع، والتوترات تفرض نفسها على المشهد، والقلق أحيانًا يتسلل لو حاولنا تجاهله.

لكن ما يميز الإمارات هو قدرتها على تحويل هذا الواقع إلى دافع، لا إلى عائق.

نرى ذلك في القرارات الاقتصادية، في دعم الأعمال، في الاستمرار في المشاريع الكبرى، وفي الرسالة الواضحة:

“نحن لا نتوقف… مهما كانت الظروف.”

وهنا، يتغير معنى العيد قليلًا.

لم يعد فقط احتفالًا بنهاية رمضان، بل أصبح أيضًا احتفالًا بالثبات، بالصبر، وبالقدرة على الاستمرار رغم كل شيء.

كأن العيد يقول لنا:

الفرح ليس غياب التحديات… بل القدرة على الابتسام رغم وجودها.

روح الإمارات… ما بين القيادة والشعب

لا يمكن الحديث عن هذه الطمأنينة دون التوقف عند عنصر أساسي

العلاقة بين القيادة والشعب.

هناك شعور عام—صعب وصفه أحيانًا—لكن يمكن لمسه في التفاصيل اليومية.

ثقة متبادلة، رؤية واضحة، وإحساس بأن الجميع في نفس القارب.

قيادة تعمل للمستقبل، وشعب يشاركها هذا الطريق، ومقيمون وجدوا في هذه الأرض وطنًا ثانيًا.

في العيد، تتجلى هذه الروح أكثر.

لا فرق بين جنسية وأخرى، ولا بين خلفية وثانية… الجميع يحتفل، الجميع يشارك الفرح، وكأن العيد هنا أوسع من مجرد مناسبة دينية—هو حالة مجتمعية كاملة.

🌿 العيد كرسالة إنسانية

ربما أجمل ما في عيد الفطر أنه لا يقتصر على الفرح فقط، بل يحمل رسالة أعمق.

رسالة تقول:

أن الخير ممكن،

وأن التسامح ليس ضعفًا،

وأن العطاء حتى لو كان بسيطًا يُحدث فرقًا.

في الإمارات، هذه القيم ليست شعارات فقط، بل تُمارس يوميًا.

من المبادرات الإنسانية، إلى ثقافة التطوع، إلى الدعم المستمر داخل المجتمع…

وهنا يصبح العيد امتدادًا طبيعيًا لهذه الروح، لا حدثًا منفصلًا عنها.

💫 لحظة تأمل… ثم بداية جديدة

إذا كان هناك شيء واحد يمكن أن نحمله معنا من هذا العيد، فربما يكون هذا:

أن الطمأنينة لا تأتي من غياب التحديات، بل من الإيمان بأننا قادرون على تجاوزها.

وأن الفرح ليس شيئًا ننتظره… بل شيئًا نصنعه، أحيانًا في أبسط اللحظات.

في هذا العيد، قد لا يكون العالم مثاليًا،

لكن هناك الكثير مما يستحق الامتنان:

وطن آمن،

مجتمع متماسك،

وفرصة كل يوم لنبدأ من جديد.

🌙 ختامًا

عيد الفطر في الإمارات هذا العام ليس مجرد مناسبة تمر كغيرها،
بل هو تذكير هادئ بأن الاستقرار نعمة، وأن الأمل خيار، وأن الفرح… ممكن دائمًا.

كل عام وأنتم بخير،

وأسأل الله أن يعيد هذه الأيام المباركة على دولة الإمارات قيادةً وشعبًا ومقيمين،

بمزيد من الأمن، والازدهار، والسعادة 🌿

وأن تبقى هذه الأرض—كما عرفناها دائمًا—ملاذًا للطمأنينة، وبداية لكل حلم جديد.

عيد مبارك، وكل عام والجميع بخير وسعادة وسلام.

 

المقالات

يوم الطفل الإماراتي

وفي يوم الطفل الإماراتي الذي نحتفي به كل عام، يتجدد التأكيد على أن الطفل في دولة الإمارات ليس مجرد حاضرٍ جميل، بل هو مشروع مستقبلٍ تصنعه القيادة بحكمة، ويصونه المجتمع بالوعي، وتغذيه القيم التي تربّيها الأسرة والمدرسة معًا. فالإمارات، وهي تعبر هذه المرحلة بحكمة وثبات، لا تنسى أن تبقي الابتسامة حاضرة في وجوه أطفالها، وأن تصون براءتهم، وتمنحهم شعور الأمان والطمأنينة، لأن بناء الإنسان يبدأ من الطفولة، وصناعة الغد تبدأ من قلب طفل يشعر أنه في وطنٍ يحبه ويرعاه.
ولهذا فإن اجتماع رمضان بنفحاته الروحية، واقتراب العيد بفرحته المنتظرة، مع يوم الطفل الإماراتي بمعانيه العميقة، يرسخ رسالة إنسانية راقية مفادها أن الأوطان التي تضع الطفل في قلب أولوياتها هي الأوطان التي تصنع مستقبلها بثقة ووعي. وفي الإمارات يبقى الطفل رمز الأمل، وبوصلة المستقبل، وسببًا إضافيًا لأن نحافظ على الفرح حيًا في البيوت والقلوب، مهما كانت التحديات.

الطفل في الإمارات ليس مجرد مستقبلٍ ننتظره، بل هو أمانة وطنٍ نصونها اليوم، ليكبر غدًا وهو يحمل في قلبه حب الإمارات وقيمها ورسالتها الإنسانية.”— د. خالد السلامي

#د_خالد_السلامي
#د_خالد_السلامي_يوم_الطفل_الإماراتي
#الإمارات_تحتفي_بأطفالها
#الطفل_مستقبل_الوطن
#يوم_الطفل_الإماراتي

المقالات

في الإمارات… رمضان يربّي الفرح، والعيد يقترب، والطفل يبقى أجمل الحكاية

تمضي الإمارات في هذه الأيام عبر ظرف استثنائي، لكن الأوطان الكبيرة تُعرف دائمًا من قدرتها على بث الطمأنينة وسط القلق، وصناعة الأمل وسط التحديات، وحماية تفاصيل الحياة الجميلة مهما اشتدت الظروف. وفي هذا التوقيت المفعم بالمعاني، يلتقي شهر رمضان المبارك بنفحاته الروحية، مع اقتراب عيد الفطر السعيد، ومع مناسبة عزيزة على القلوب هي يوم الطفل الإماراتي؛ فيتشكل مشهد وطني وإنساني بالغ الدفء، عنوانه: أن الفرح لا يغيب، وأن الطفل سيظل في قلب الأولويات، وأن العيد سيأتي حاملًا معه البهجة مهما كانت الأيام ثقيلة.

رمضان في الإمارات ليس مجرد شهر عبادة وصيام، بل هو موسم للقيم الكبرى؛ الرحمة، والتكافل، والسكينة، والالتفاف حول الأسرة. وفي البيوت الإماراتية، تتجدد في هذا الشهر صورة المودة في أجمل معانيها، حين تجتمع العائلة على الدعاء والمائدة والكلمة الطيبة والقلوب المتقاربة. ومع اقتراب العيد، يبدأ ذلك الشعور الجميل بالتسلل إلى الأرواح: شوق الأطفال، وترقبهم للملابس الجديدة، ولهجتهم المليئة بالأسئلة الصغيرة، وعيونهم التي تنتظر المفاجأة واللمة والفرحة.

وربما تمر الأوطان أحيانًا بلحظات استثنائية تستدعي الوعي والتماسك والهدوء، لكن هذا لا يعني أبدًا أن تتراجع الحياة عن رسالتها الأساسية: أن نستمر، وأن نمنح أبناءنا الإحساس بالأمان، وأن نحافظ على قدرتنا على الفرح. فالطفل لا يقرأ الأحداث كما يفعل الكبار، بل يقرأ الوجوه، ويصغي إلى النبرة، ويشعر بما خلف الكلمات. لذلك فإن أكبر هدية يمكن أن نقدمها له في هذه الأيام ليست لعبة ثمينة، بل قلب مطمئن، وصوت هادئ، وبيت يقول له دون ضجيج: أنت بخير، ونحن بخير، والعيد قادم، والفرح محفوظ بإذن الله.

ويأتي يوم الطفل الإماراتي ليذكّرنا بأن الطفل في دولة الإمارات ليس مجرد مرحلة عمرية تحتاج إلى رعاية، بل هو مشروع وطن، وثقة مستقبل، وركيزة تنمية، وأمل ممتد. لقد جعلت الإمارات الطفل في صدارة الاهتمام، إيمانًا بأن بناء الإنسان يبدأ مبكرًا، وأن الاستثمار الحقيقي يبدأ من وجدان الطفل، وصحته، وتعليمه، واستقراره النفسي، وشعوره بأنه محبوب ومحاط بالعناية. ومن هنا، فإن الاحتفاء بالطفل الإماراتي هو احتفاء بصورة الإمارات نفسها؛ دولة ترى المستقبل في ضحكة طفل، وفي أمان أسرة، وفي مجتمع لا يسمح للخوف أن يسرق براءة الصغار.

وفي هذه الأيام تحديدًا، نحن بحاجة إلى خطاب يليق بالأطفال، لا يثقلهم، ولا ينقل إليهم التوتر، ولا يحمّلهم ما لا يفهمون. نحن بحاجة إلى أن نُبقي المساحات المضيئة مفتوحة في حياتهم: لحظات اللعب، الأحاديث البسيطة، طقوس رمضان المحببة، التحضير للعيد، توزيع العيديات، واختيار الملابس، وصناعة الذكريات التي تبقى في قلوبهم طويلًا. لأن الأطفال لا يتذكرون فقط ما اشتريناه لهم، بل يتذكرون كيف شعروا معنا.

ومن أجمل ما يمكن أن نؤمن به اليوم أن الفرح ليس إنكارًا للواقع، بل هو مقاومة نبيلة له. وأن الاحتفال بالعيد لا يعني الغفلة عن الظروف، بل يعني التمسك بالحياة، وتأكيد أن المجتمع المتماسك يعرف كيف يوازن بين الوعي والبهجة، بين المسؤولية والأمل. نعم، سنفرح بالعيد، وسنزرع في قلوب أطفالنا معنى أن المناسبات السعيدة تبقى منارات للنفس، وأن الفرح حين يكون نقيًا وعائليًا ومسؤولًا يصبح طاقة شفاء حقيقية.

أما الرسالة الأهم إلى أولياء الأمور في هذه المرحلة، فهي في رأيي بسيطة جدًا، لكنها عميقة الأثر: احموا السلام النفسي للأطفال. ليس مطلوبًا إغراقهم بالتفاصيل، ولا تركهم فريسة للقلق أو المشاهد أو الأحاديث المربكة. المطلوب أن يشعر الطفل بأن البيت ما زال بيتًا، وأن الروتين الجميل ما زال قائمًا، وأن العيد مناسبة تنتظره فعلًا لا مجرد كلام يقال لطمأنته. تحدثوا معهم بلغة تناسب أعمارهم، واسمحوا لهم بالسؤال، وأجيبوا بصدق هادئ، ثم أعيدوا انتباههم إلى ما يمنحهم الثبات: الصلاة، العائلة، اللعب، الزيارة، الهدايا، والمواقف الصغيرة التي تصنع الأمان.

وفي العيد القادم، مهما كانت الظروف، سيكون من المهم جدًا أن يحرص الأهل على أمر واحد لا ينبغي الاستهانة به: أن يكون للطفل نصيب واضح ومحسوس من الفرح الأسري الحقيقي. ليس المقصود المبالغة في الإنفاق أو التكلف، بل أن يرى الطفل ابتسامات أهله، ويعيش أجواء العيد بكل رموزه، ويشعر بأنه جزء من المناسبة لا متفرج عليها. يمكن أن يكون ذلك عبر جلسة عائلية دافئة، أو نزهة قصيرة، أو زيارة مُبهجة، أو عيدية بسيطة، أو مشاركة الطفل في تجهيزات العيد، أو حتى وقت نوعي صادق بعيد عن الهواتف والانشغال. الطفل يحتاج إلى حضورنا أكثر مما يحتاج إلى مظاهرنا.

في الإمارات، نعرف جيدًا أن صناعة السعادة ليست شعارًا عابرًا، بل ثقافة مجتمع وإرادة دولة. ولهذا، فإن اجتماع رمضان، والعيد، ويوم الطفل الإماراتي في هذه الأيام يحمل رسالة عميقة جدًا: أن الإنسان هو البداية، وأن الأسرة هي الملاذ، وأن الطفل هو الأحق بأن نمنحه الطمأنينة والأمل والحنان. ومهما كانت الظروف، ستبقى الإمارات أرضًا تعرف كيف تعبر الأيام الصعبة بروح متماسكة، وكيف تحفظ لأطفالها حقهم في الفرح، وحقهم في الأمان، وحقهم في أن يكبروا وهم يرون حولهم وجوهًا تؤمن بالحياة.

سنفرح بالعيد، نعم.
وسنفتح الأبواب للبهجة، نعم.
وسنحتفي بالطفل، لا بوصفه مجرد مناسبة، بل بوصفه المعنى الأجمل لكل مستقبل ننتظره.

المقالات

في يوم زايد للعمل الإنساني.. الإمارات ترد على العدوان بالثبات والإنسانية

في يوم زايد للعمل الإنساني، لا تقف الإمارات أمام الذكرى بوصفها مناسبة عابرة تُقال فيها الكلمات المكررة، بل تقف أمام مرآة تاريخها، أمام سيرة رجلٍ علّم العالم أن بناء الدولة لا ينفصل عن بناء الإنسان، وأن القوة الحقيقية ليست في القدرة على الرد فقط، بل في القدرة على التمسك بالقيم حتى في أشد اللحظات قسوة.

ويأتي هذا اليوم هذا العام فيما تتعرض دولة الإمارات لاعتداءات وتحديات خطيرة طالت أمنها واستقرارها، في مشهد يكشف بوضوح أن المنطقة تواجه لحظة فارقة بين مشروعين لا ثالث لهما: مشروع يؤمن بالدولة، بالتنمية، بالسلام، بالحياة؛ ومشروع آخر لا يرى في الأوطان إلا ساحات للفوضى، ولا في الشعوب إلا رهائن لخطابات الكراهية والخراب. وفي مثل هذه اللحظات، تُختبر المعادن الحقيقية. والإمارات، قيادةً وشعبًا ومؤسسات، أثبتت مرة أخرى أنها ليست دولة تُرهبها الصواريخ، ولا تُربكها الضوضاء، ولا تنال منها حملات التخويف والابتزاز.

ما تتعرض له الإمارات ليس اعتداءً على سيادتها فحسب، بل اعتداء على نموذج كامل. اعتداء على دولة اختارت أن تكون بيتًا للأمان، ومنصةً للتقدم، ومساحةً للتسامح، ويدًا ممدودةً للخير في كل مكان. حين تُستهدف الإمارات، فإن المستهدف في الحقيقة هو هذا المعنى الكبير: أن تنجح دولة عربية في أن تجعل من الاستقرار مشروعًا، ومن التنمية عقيدة عمل، ومن الإنسانية جزءًا أصيلًا من هويتها الوطنية.

وهنا تتجلى رمزية يوم زايد للعمل الإنساني بأعلى صورها. فالإمارات التي تواجه العدوان لا تتخلّى عن أخلاقها، والدولة التي تعرف كيف تدافع عن نفسها تعرف أيضًا كيف تصون رسالتها. هذه ليست مفارقة، بل جوهر الشخصية الإماراتية. فمن مدرسة زايد خرجت دولة تفهم أن الأمن ليس نقيض الرحمة، وأن الحزم لا يلغي الشرف، وأن حماية الوطن لا تنفصل عن حماية القيم التي قام عليها الوطن.

لقد كان الشيخ زايد، طيب الله ثراه، أكبر من قائدٍ أسّس دولة؛ كان ضميرًا عربيًا وإنسانيًا نادرًا. لم تكن الإنسانية عنده شعارًا للاستهلاك، بل نهجًا للحكم، وطريقةً في النظر إلى البشر، وموقفًا أخلاقيًا ثابتًا من الألم أينما كان. ومن هذا الإرث بالذات تستمد الإمارات اليوم معناها العميق: فهي لا ترد على الشر بأن تصبح شبيهة به، ولا تنزلق إلى لغة الفوضى، بل تتمسك بوعي الدولة، وانضباط المؤسسات، وأخلاق القوة.

إن الذين يظنون أن الاعتداء على الإمارات يمكن أن يهز صورتها أو يضعف حضورها، لا يعرفون هذه الدولة جيدًا. الإمارات لم تُبنَ على ردود الفعل، بل على رؤية. ولم تصعد بالصدفة، بل بالعمل والصدق والانضباط والإيمان بالإنسان. ولهذا فإن كل تهديد تتعرض له لا يزيدها إلا تماسكًا، ولا يدفعها إلا إلى مزيد من اليقظة، ولا يكشف إلا الفارق الهائل بين دولة تبني المستقبل، وأطراف لا تجيد إلا مطاردة الخراب.

وفي هذا اليوم، لا يكفي أن نستحضر اسم زايد بوصفه رمزًا للماضي، بل يجب أن نستحضره بوصفه معيارًا للحاضر والمستقبل. كيف نكون أوفياء لزايد؟ بأن نحمي الوطن. بأن نثق بقيادتنا. بأن نصطف خلف مؤسساتنا. بأن نفهم أن الدفاع عن الإمارات ليس مهمة الجيش وحده، ولا مسؤولية الأجهزة وحدها، بل هو وعيٌ مجتمعيٌ كامل، يبدأ بالكلمة الصادقة، ويمر بالتماسك الوطني، وينتهي بإدراك أن هذه الدولة أمانة في أعناق الجميع.

إن يوم زايد للعمل الإنساني هذا العام ليس مجرد ذكرى؛ إنه رسالة. رسالة تقول إن الإمارات، حتى وهي تتعرض للاعتداء، لن تتخلى عن رسالتها الإنسانية. ورسالة تقول إن الدولة التي أكرمت الإنسان في الداخل، وأغاثت المحتاج في الخارج، قادرة أيضًا على أن تحمي منجزها وتصون سيادتها وتردع من يحاول المساس بأمنها. ورسالة أخيرة، ربما هي الأهم: أن الإمارات ليست هدفًا سهلًا، وليست دولة تُبتز، ولا وطنًا يقبل أن يُختبر صبره بلا حساب.

سلامًا على زايد في يومه.

وسلامًا على الإمارات، وهي تثبت مرة بعد مرة أن الإنسانية ليست ضعفًا، وأن القوة ليست قسوة، وأن الأوطان العظيمة، حين تُستهدف، تزداد وضوحًا لا ارتباكًا، وتزداد صلابة لا خوفًا، وتزداد إيمانًا بأن ما بُني على الخير لا تهزمه العواصف.

 

المقالات

تجربة فنية ملهمة في عهد الاتحاد.. وامتنان لفريق عجمان التطوعي

في مناسبةٍ وطنيةٍ خالدة، حملت بين طياتها عبق التاريخ وروح الفن، تشرفتُ بالمشاركة في المعرض التشكيلي الأول لفريق عجمان التطوعي، الذي أقيم يوم الجمعة الموافق 18 يوليو 2025، احتفاءً بذكرى يوم عهد الاتحاد، الذي أعلنه صاحب السمو الشيخ محمد بن زايد آل نهيان – حفظه الله – ليكون يومًا سنويًا تستذكر فيه الإمارات لحظة التأسيس المجيد، وتوقيع وثيقة الاتحاد عام 1971.

وقد جاء المعرض في سياق وطني وثقافي، حيث اجتمعت فيه رمزية المناسبة مع إبداعات فنانات إماراتيات قدّمن أعمالًا تحمل ملامح الوطن، وتُجسد القيم التي نشأ عليها هذا الاتحاد المبارك. وتضمنت الفعالية جلسة نقاشية ثرية حول الأعمال الفنية، أدارتها الإعلامية القديرة جميلة إسماعيل، في أجواء طغى عليها الإبداع والوعي الفني العميق.

وفي ختام المعرض، تسلمت شهادة شكر وتقدير من فريق عجمان التطوعي، موقعة من الأستاذ محمد حمد بن دلوان الكتبي، مؤسس الفريق ورئيسه،

إن هذا التكريم يمثل بالنسبة لي أكثر من مجرد تقدير رمزي؛ فهو شهادة اعتزاز بمسؤولية وطنية وثقافية نعتز جميعًا بأدائها، كل من موقعه.
وأود في هذا السياق أن أتقدم بجزيل الشكر والعرفان لفريق عجمان التطوعي على احترافيتهم، وجهودهم في إحياء قيم الاتحاد من خلال الفنون، وعلى هذا التقدير الذي أعتز به، والذي أضعه وسامًا على صدري.

كما لا يفوتني أن أحيّي جميع القائمين على هذا الحدث الثقافي الوطني، وأخص بالشكر الفنانات المبدعات اللاتي جسّدن، بريشتهن، معنى الانتماء في أبهى صوره.

إن دولة الإمارات، التي بُنيت على الاتحاد، لا تزال اليوم تبني على الإبداع، وتُرسّخ حضور الفن في صياغة الوعي الجمعي، وتعزيز الهوية الوطنية.

لهذا، أقول من هنا، من منصتي المتواضعة:
شكرًا لعجمان،
شكرًا لفريقها التطوعي النبيل،
وشكرًا لكل من آمن أن الفن ليس ترفًا، بل ذاكرة وهوية ورسالة.

هذه التجربة ستكون واحدة من تلك المحطات التي أعود إليها دائمًا، لا فقط بتوثيقها، بل بما غيّرته في داخلي.

Originally posted 2025-07-20 12:48:27.

المقالات

ذاكرة الأشياء

هناك أشياء لا تنطق، لكنها تتذكّر. لا تكتب، لكنها تحفظ. صامتةٌ، ومع ذلك… تعرف أكثر مما نظن.

الكوب الذي لم يُغسل منذ يومين، المقعد الذي تغيّر موضعه قليلًا، الستارة التي خفتت ألوانها دون أن نلاحظ. كلّها تعرف. تتذكّر اليد التي لامستها، الهمس الذي عبر الغرفة، النظرة التي لم تُقَل… والرحيل الذي لم يُعلن عن نفسه، لكنه حدث.

الأشياء لا تشتكي. لا تسأل أين ذهبنا، ولا لماذا تغيّرنا. لكنها تحتفظ بنا. بطريقتنا في الجلوس، بطرف الحديث الذي قُطع، بملامح القلق في منتصف الليل، بثقل الصمت في صباح الأحد.

لا شيء حولنا جامد تمامًا. حتى الصخر، إن أمعنتَ فيه، يحفظ شكل القدم التي عبرته. والمرآة ليست مجرد سطح يعكس. هي أيضًا تتذكّر من نظر إليها وهو يضحك… ومن أخفى دموعه خلف بريقها.

الزمن لا يمرّ فقط في الساعات، بل يترسّب في ألياف الوسائد، وفي خطوط الخشب، وفي صدأ الأبواب. كأن الحياة تترك نسختها الظلّية داخل كل شيء تلامسه. وهكذا… تصبح الأشياء مثل دفاتر بلا حبر، تقرأها العين التي تعلّمت أن تُصغي للسكوت.

وحين نغادر بيتًا قديمًا، لا نترك خلفنا جدرانًا وأثاثًا فقط، بل نخلع طبقة من أنفسنا، تبقى هناك. ربما نعود يومًا ونراها… ربما لا.

ربما نحن نبتعد عن المكان، لكن الأشياء لا تبرح مواقعها.

إنها تنتظر. بلا استعجال، بلا عتاب. كأنها تعرف أن الذاكرة ليست ملكًا للبشر وحدهم. وكأنها، بهدوءٍ لا يُرى، تشاركنا الرحلة، وتحتفظ بنُسخ باهتة منّا — ليس لتُعيدها إلينا، بل لتذكّرنا أننا كنّا هنا… ذات وقت، ذات شعور.

وحين يتسلل الصمت إلى المساء، وتنام البيوت دون ضوء، تصبح الأشياء أكثر حضورًا. ينكمش الفراغ، ويكبر وقع الأثر. الكرسيّ يذكّر بالجلوس الطويل. الساعة المتوقفة عند الثالثة وخمس دقائق ترفض أن تنسى شيئًا لم نعد نعرفه.

قد نعتقد أننا ننسى، لكن الأشياء لا تنسى. النسيان رفاهية عقل بشري أنهكته الأحداث. أما المادة؟ فلها طريقة أخرى في التذكّر.

الخشب يتغيّر لونه، الحديد يصدأ، الزجاج يتكسر… لكن الأثر يبقى. ليس بوصفه شكلاً فقط، بل بوصفه معنى.

والمعاني تسكن في التفاصيل: في تلافيف الملمس، في رائحة القماش، في الخدوش الصغيرة على طرف الطاولة. كأن كل شيء يحمل سيرة مصغّرة عنّا، مكتوبة بلغة لا نُتقنها… لكننا نشعر بها.

أحيانًا، تكفي نظرة واحدة لمقبض بابٍ قديم كي يعود صوت غائب. أو رائحة جلدٍ معتّق لتبعث نبضًا رحل.

وربما لا نحتاج أن نقول شيئًا. يكفي أن نلمس تلك الأشياء بصمت… لتفهم. أننا ما زلنا نتذكّر، مثلها تمامًا.

ولا أحد يسمع الأشياء حين تتنهّد. لكنها تفعل.

 

Originally posted 2025-07-13 19:04:41.

المقالات

صمت الازدحام

الصمتُ أشبهُ بنَفَسٍ محتجزٍ في صدر المدينة؛ نادرٌ، هشٌّ، وقصيرُ العمر. مع أول خيطٍ من نور الصباح، تستيقظ المدينة على هديرِ السيّارات، رنينِ المنبّهات، وهمهمةِ البشر. في كلِّ زاويةٍ من الحياة الحديثة، يتكاثرُ الضجيجُ من حول الإنسان؛ في الشوارع المزدحمة، على الشاشات الصغيرة، وحتّى داخل الفكر. ومع ذلك، يبقى الصمتُ حلمًا بعيدًا؛ واحةَ سكونٍ يُلاحقُها المرءُ كأنّها سراب.

ضجيج الإسفلت

الشوارعُ أنهارٌ من المركباتِ المتلاصقة؛ أبواقُها وصيحاتُ محرّكاتِها تتدفّقُ كتيّارٍ لا يتوقّف. المراكزُ التجاريّةُ تغصّ بزُوّارها، كلٌّ يتحدّثُ بصوتٍ يكادُ يضيعُ في جوقةِ الضجيجِ المحيطة. لا يخلو ركنٌ من صوتٍ مزعج؛ آلاتُ البناءِ تطرقُ نهارًا، وصخبُ الشوارعِ يمتدّ حتّى ساعاتٍ متأخّرةٍ من الليل. وسطَ هذا الصخبِ المادّي، يشعرُ الإنسانُ أنّه مجرّدُ نقطةٍ صغيرةٍ في بحرٍ من الأصوات. يتوقُ إلى لحظةِ هدوءٍ فلا يجدُها إلّا ومضةً عابرةً قبل أن يبتلعَها الضجيجُ مجدّدًا.

ضجيج بلا صوت

لا يأتي الضجيجُ من الشارعِ فقط؛ فهناك صخبٌ آخر أكثرُ هدوءًا ولكن أعمقُ أثرًا. إنّه زحامٌ رقميٌّ: عشراتُ الرسائلِ والإشعاراتِ والإعجاباتِ تَنْهالُ على شاشةِ الهاتفِ كزخّاتِ مطرٍ لا تهدأ. قد لا يُصدرُ الهاتفُ صوتًا، لكن كلَّ إشعارٍ يصيحُ في ذهن الإنسان، يُطالبُ بانتباهه ويُؤجّجُ تشتّتَه. بين رسائلِ العمل ومحادثاتِ الأصدقاء وتحديثاتِ الأخبار، يجدُ العقلُ نفسَه في سوقٍ إلكترونيٍّ مزدحم، حيثُ يتحدّثُ الجميعُ ولا أحد يُصغي. وفي عُزلةِ غرفته المُظلمة، يكتشفُ المرءُ أنّ هذا الضجيجَ الخفيَّ قد سلبَ منه نعمةَ السكونِ كما يفعلُ الضجيجُ المسموعُ أو أكثر.

صخب بين الضلوع

حينَ يَسْكُتُ كلُّ شيءٍ في الخارج، قد يكتشفُ الإنسانُ أنّ الضجيجَ الحقيقيَّ يَسْكُنُ داخله. أفكارٌ تتدافعُ بلا ترتيب؛ قلقٌ على المستقبل، ذكرياتٌ تتكلّمُ من الماضي، ومخاوفُ تهمسُ في الظلام. إنّها جَلَبَةٌ خفيّةٌ لا تُرَى – صراعُ أصواتٍ داخليّةٍ يجعلُ العقلَ ساحةً مزدحمةً بالرغمِ من الهدوءِ الظاهري. يحملُ الإنسانُ أعباءَ التوقّعاتِ والواجباتِ كأنّها مكبّراتُ صوتٍ داخليّة؛ تُذكّره بكلِّ ما عليه فعله وقوله، وبكلِّ ما لم يفعله أو يقُله. وفي غمرةِ هذا الازدحامِ النفسيّ، تُصبحُ لحظاتُ الصمتِ الداخليّ نادرةً، تَلُوحُ كالنجمةِ البعيدةِ في ليلِ العقل.

عندما تميلُ الشمسُ إلى الغروبِ وتخفُتُ أبواقُ النهار، قد يقودُ البعضُ سيّارته بعيدًا عن أضواءِ المدينة. هناك، عند امتدادِ الكثبانِ الرمليّة، يكونُ الصمتُ أعمقَ والصوتُ الوحيدُ هو نبضُ القلبِ في الصدر. في تلك اللحظاتِ النادرة، يُدركُ الإنسانُ كم كان بحاجةٍ إلى هذه العُزلةِ الهادئة ليُعيدَ ترتيبَ ضجيجِه الداخليّ.

لكنَّ ذلك الصمتَ هشٌّ كالفجر. ما أن يعودُ إلى المدينةِ محمّلًا بصدى السكونِ حتّى يُدركَ أنّه سيتبدّدُ مع أوّلِ إشعارِ هاتفٍ أو ضوضاءِ شارع. ويبقى سؤالٌ صامتٌ مُعلَّق: أصَمْتٌ هو ملاذٌ مؤقّتٌ نلوذُ به، أم هو صوتٌ خافتٌ في أعماقِنا ينتظرُ مَن يُصغي…

Originally posted 2025-07-12 09:21:21.