المقالات

في يوم زايد للعمل الإنساني.. الإمارات ترد على العدوان بالثبات والإنسانية

في يوم زايد للعمل الإنساني، لا تقف الإمارات أمام الذكرى بوصفها مناسبة عابرة تُقال فيها الكلمات المكررة، بل تقف أمام مرآة تاريخها، أمام سيرة رجلٍ علّم العالم أن بناء الدولة لا ينفصل عن بناء الإنسان، وأن القوة الحقيقية ليست في القدرة على الرد فقط، بل في القدرة على التمسك بالقيم حتى في أشد اللحظات قسوة.

ويأتي هذا اليوم هذا العام فيما تتعرض دولة الإمارات لاعتداءات وتحديات خطيرة طالت أمنها واستقرارها، في مشهد يكشف بوضوح أن المنطقة تواجه لحظة فارقة بين مشروعين لا ثالث لهما: مشروع يؤمن بالدولة، بالتنمية، بالسلام، بالحياة؛ ومشروع آخر لا يرى في الأوطان إلا ساحات للفوضى، ولا في الشعوب إلا رهائن لخطابات الكراهية والخراب. وفي مثل هذه اللحظات، تُختبر المعادن الحقيقية. والإمارات، قيادةً وشعبًا ومؤسسات، أثبتت مرة أخرى أنها ليست دولة تُرهبها الصواريخ، ولا تُربكها الضوضاء، ولا تنال منها حملات التخويف والابتزاز.

ما تتعرض له الإمارات ليس اعتداءً على سيادتها فحسب، بل اعتداء على نموذج كامل. اعتداء على دولة اختارت أن تكون بيتًا للأمان، ومنصةً للتقدم، ومساحةً للتسامح، ويدًا ممدودةً للخير في كل مكان. حين تُستهدف الإمارات، فإن المستهدف في الحقيقة هو هذا المعنى الكبير: أن تنجح دولة عربية في أن تجعل من الاستقرار مشروعًا، ومن التنمية عقيدة عمل، ومن الإنسانية جزءًا أصيلًا من هويتها الوطنية.

وهنا تتجلى رمزية يوم زايد للعمل الإنساني بأعلى صورها. فالإمارات التي تواجه العدوان لا تتخلّى عن أخلاقها، والدولة التي تعرف كيف تدافع عن نفسها تعرف أيضًا كيف تصون رسالتها. هذه ليست مفارقة، بل جوهر الشخصية الإماراتية. فمن مدرسة زايد خرجت دولة تفهم أن الأمن ليس نقيض الرحمة، وأن الحزم لا يلغي الشرف، وأن حماية الوطن لا تنفصل عن حماية القيم التي قام عليها الوطن.

لقد كان الشيخ زايد، طيب الله ثراه، أكبر من قائدٍ أسّس دولة؛ كان ضميرًا عربيًا وإنسانيًا نادرًا. لم تكن الإنسانية عنده شعارًا للاستهلاك، بل نهجًا للحكم، وطريقةً في النظر إلى البشر، وموقفًا أخلاقيًا ثابتًا من الألم أينما كان. ومن هذا الإرث بالذات تستمد الإمارات اليوم معناها العميق: فهي لا ترد على الشر بأن تصبح شبيهة به، ولا تنزلق إلى لغة الفوضى، بل تتمسك بوعي الدولة، وانضباط المؤسسات، وأخلاق القوة.

إن الذين يظنون أن الاعتداء على الإمارات يمكن أن يهز صورتها أو يضعف حضورها، لا يعرفون هذه الدولة جيدًا. الإمارات لم تُبنَ على ردود الفعل، بل على رؤية. ولم تصعد بالصدفة، بل بالعمل والصدق والانضباط والإيمان بالإنسان. ولهذا فإن كل تهديد تتعرض له لا يزيدها إلا تماسكًا، ولا يدفعها إلا إلى مزيد من اليقظة، ولا يكشف إلا الفارق الهائل بين دولة تبني المستقبل، وأطراف لا تجيد إلا مطاردة الخراب.

وفي هذا اليوم، لا يكفي أن نستحضر اسم زايد بوصفه رمزًا للماضي، بل يجب أن نستحضره بوصفه معيارًا للحاضر والمستقبل. كيف نكون أوفياء لزايد؟ بأن نحمي الوطن. بأن نثق بقيادتنا. بأن نصطف خلف مؤسساتنا. بأن نفهم أن الدفاع عن الإمارات ليس مهمة الجيش وحده، ولا مسؤولية الأجهزة وحدها، بل هو وعيٌ مجتمعيٌ كامل، يبدأ بالكلمة الصادقة، ويمر بالتماسك الوطني، وينتهي بإدراك أن هذه الدولة أمانة في أعناق الجميع.

إن يوم زايد للعمل الإنساني هذا العام ليس مجرد ذكرى؛ إنه رسالة. رسالة تقول إن الإمارات، حتى وهي تتعرض للاعتداء، لن تتخلى عن رسالتها الإنسانية. ورسالة تقول إن الدولة التي أكرمت الإنسان في الداخل، وأغاثت المحتاج في الخارج، قادرة أيضًا على أن تحمي منجزها وتصون سيادتها وتردع من يحاول المساس بأمنها. ورسالة أخيرة، ربما هي الأهم: أن الإمارات ليست هدفًا سهلًا، وليست دولة تُبتز، ولا وطنًا يقبل أن يُختبر صبره بلا حساب.

سلامًا على زايد في يومه.

وسلامًا على الإمارات، وهي تثبت مرة بعد مرة أن الإنسانية ليست ضعفًا، وأن القوة ليست قسوة، وأن الأوطان العظيمة، حين تُستهدف، تزداد وضوحًا لا ارتباكًا، وتزداد صلابة لا خوفًا، وتزداد إيمانًا بأن ما بُني على الخير لا تهزمه العواصف.